مقهى الكتّاب الأدبي \مرحباً بكم وبحروفكم واهداءاتكم [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : عدنان السعدي ] [ آخر مشاركة : ياسمين الصالح ] [ عدد الزوار : 189180 ] [ عدد الردود : 4844 ]
مسامير وأزاهير 333... غزة لن تركع إلا لله تعالى!!. [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : سماك برهان الدين العبوشي ] [ آخر مشاركة : سماك برهان الدين العبوشي ] [ عدد الزوار : 9 ] [ عدد الردود : 0 ]
ما رأي اهل العروبة في المغرب ؟ [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : أسامة المغربي ] [ آخر مشاركة : أسامة المغربي ] [ عدد الزوار : 37 ] [ عدد الردود : 0 ]
الرقابة السلطوية / مقالي ليوم الأربعاء 7-23 في جريدة الزمان العراقية [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : صلاح هادي ] [ آخر مشاركة : صلاح هادي ] [ عدد الزوار : 34 ] [ عدد الردود : 0 ]
بدون مؤاخذة-الأولوية لوقف المحرقة [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : جميل السلحوت ] [ آخر مشاركة : جميل السلحوت ] [ عدد الزوار : 14 ] [ عدد الردود : 0 ]
موت وحياة [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : جميل السلحوت ] [ آخر مشاركة : جميل السلحوت ] [ عدد الزوار : 14 ] [ عدد الردود : 0 ]
متابعة يومية لما يجري في الأرض المحتلة [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : أسامة المغربي ] [ آخر مشاركة : أسامة المغربي ] [ عدد الزوار : 232 ] [ عدد الردود : 30 ]
تقدير الذات [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : عبدالكريم الخلايله ] [ آخر مشاركة : عبدالكريم الخلايله ] [ عدد الزوار : 33 ] [ عدد الردود : 0 ]
عقيدة [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : جميل السلحوت ] [ آخر مشاركة : جميل السلحوت ] [ عدد الزوار : 15 ] [ عدد الردود : 0 ]
الأولوية لوقف شلال الدم لكن ليس بأي ثمن [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : رشيد شاهين ] [ آخر مشاركة : رشيد شاهين ] [ عدد الزوار : 38 ] [ عدد الردود : 0 ]
تحية إجلال وتقدير واعتزاز للشعب الفلسطيني في غزة العزة على صلابته، وإيمانه وصموده، سائلين الله تعالى أن يرفع هذا الكرب عن إخواننا في فلسطين، وأن يرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، وأن يسدد رمي المقاومين وأن يرزقهم الصبر والثبات، حتى يتحقق وعد الله تضامناً مع غزة


إهداءات وبرقيات


العودة   آفاق العروبــــــة > آفـــــاق الديانات السماوية > آفــاق الـفكر الإسلامي

آفــاق الـفكر الإسلامي قطرات من إبداعات وأسرار العقيدة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
 
  #1  
قديم 04-30-2011, 10:51 PM
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً
أديبة وشاعرة/أم العروبة

 
My SMS صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..
بيانات :-

 
ازدهار الانصاري is on a distinguished road
افتراضي سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي

هذه سلسلة حلقات عما بعد الموت أو بعنوانها الاصلي سلسلة الدار الآخرة للداعية الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي .. بحثت عنها طويلا حتى ألهمني الله أن أجدها وارتأيت أن نتابعها معا فكما نبحث لدنيانا علينا أن نعمل لأخرتنا .. وادعو الله أن يمكنني من نقلها كلها هنا لننتفع جميعنا بها ..

الحلقة الاولى

مقدمة عن الآخرة

الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، فينبغي للعبد أن يستشعر ذلك دائماً، حتى يسارع إلى التوبة، ويقلع عن المعاصي، ويسارع إلى فعل الطاعات، وهناك مقدمات وعلامات توحي بقرب الآخرة، أولها: بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثمرات ذكر الموت ومساوئ عدم ذكر الموت
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين؛ سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة الأولى من سلسلة الحديث عن حلقات الدار الآخرة، وتأتي حلقات الدار الآخرة بعد إلحاح شديد من كثير من الإخوة والأخوات، وأنا أعتبر حلقات الدار الآخرة من الأشياء القريبة إلى قلبي كثيراً بعد تفسير كتاب الله عز وجل، وبعد الحديث النبوي الشريف عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. تأتي حلقات الدار الآخرة لتجمع للمؤمن خيري الدنيا والآخرة، وفي هذه الحلقات بركات كثيرة ونفحات طيبة أتت ثمارها على مدى ما قلناه في المرتين السابقتين، وهذه ثالث مرة نعيد فيها حلقات الدار الآخرة تقريباً، قلناها في سنة (1974م) أو (1976م)، وعدناها في سنة (1986م) أو (1987م)، وهذه إن شاء الله ثالث مرة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا يوم القيامة. قال عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه: ذكر الموت يعطيك أشياء ثلاثة: تعجيل التوبة، والرضا بالقليل، وعدم مشاحنة أهل الدنيا في دنياهم فيطمئن، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. وعدم ذكر الموت يأتي بثلاثة أشياء: التسويف بالتوبة، وهذا هو الذي جعل الناس بعيدين عن التوبة، فما زال المرتشي يرتشي، وما زال النصاب ينصب، وما زال الجشع المحتكر يحتكر، وما زال المغتاب يغتاب، وما زال المرء ينظر إلى الحرام، وما زال الذي يمد يديه للحرام وما زال.. وما زال؛ لأن الموت غائب عن ذهنه وفكره وخياله. لكن لو وضع الموت نصب عينيه، كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الموت أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) لعجل بالتوبة. كذلك عدم ذكر الموت يؤدي إلى عدم الرضا بما قسم الله، ومهما أعطي المرء فإنه كشارب البحر لا يزيده شربه منه إلا عطشاً، فمحب الدنيا لا يشبع. وكما ورد في الحديث الصحيح: (من أحب الدنيا وكره الآخرة التاط قلبه بأمور ثلاثة)يعني: لصق قلبه بثلاثة أمور. وكلنا يا إخوة من محبي الدنيا، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من المحبين للآخرة، وإن شاء الله حلقات الدار الآخرة ستذكرك بالموت، وكلنا ندعي محبة الله، وكلنا ندعي محبة دخول الجنة، والحاجز الذي بينك وبين دخول الجنة هو الموت، فإذا كنت تحب ربنا وتحب دخول الجنة فتذكر الموت واستعد له؛ لأن الموت سيقربك من لقاء الله ومن لقاء الحبيب صلى الله عليه وسلم. وكما قيل: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وإذا ما انتبهوا ندموا، ولن ينفع الندم بعد العذاب. من يحب الدنيا يلتصق قلبه بثلاثة أشياء: أولاً: شغل لا يفرغ منه أبداً، ومشاغل الدنيا لا تنتهي، فإذا جلست مع أي واحد الآن فإنه لا يكلمك إلا في الشغل فقط، فالمهم عنده أن رمضان ولى وانقضى: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ إذاً: شغل لا يفرغ منه أبداً، أي: الشغل بالدنيا، والدنيا تأخذ الإنسان في دوامتها وتجعله دائماً مثل العجلة، أو مثل الثور الذي يدور بالساقية. الأمر الثاني: هم لا يزول عنه أبداً. فالدنيا كلها دار هموم، وأول سؤال ستسأله في القبر: أتريد أن تعود إلى دار الدنيا يا عبد الله؟! فيقول إن كان مؤمناً: ألدار الهموم والأحزان تريدان أن تعيداني؟ قدماني إلى ربي. تريدان أن ترجعاني إلى ظلم الزوجة، وإلى عقوق الأولاد، وإلى أذى الجار، أو إلى ظلم المدير، وإلى نصب العمال على بعض، وإلى سرقة المهمات بالجيش، هذه المهمات أو الأمانات عهدة عندك، فتجد من يريد أن يأخذ فتوى من الشيخ بأن السرقة حلال. كذلك الطالب الفاشل يريد فتوى في جواز الغش، نقول: جاء في الحديث: (من غشنا فليس منا). كذلك المدرس يريد أن يأخذ فتوى بأن الأموال التي يبتزها من الآباء والأمهات حلال. والطبيب الجشع الذي يأخذ في العملية خمسة آلاف أو ستة آلاف يريد أن يأخذ فتوى بأن هذه الأموال حلال. والمهندس النصاب الذي يضع أي خرسانة مغشوشة يريد أن يأخذ فتوى، فالكل يريد أن يأخذ الفتوى، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] يعني: أرادوا من الكليم النبي أن يعطيهم فتوى بالشرك. إذاً: (من أحب الدنيا وكره الآخرة التاط قلبه بأمور ثلاثة: شغل لا يفرغ منه أبداً، وهم لا يزول عنه أبداً، وعدم رضا لا يزيله أبداً)يعيش في عدم الرضا دائماً، فالذي معه ألف يريد خمسة، والذي معه خمسة يريد عشرين، والذي معه عشرون يريد مائة، والذي معه مائة يريد مليوناً، والذي معه مليون يريد ثلاثين مليوناً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب فقط. قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، فقدم الله عز وجل ذكر الموت على ذكر الحياة، وقد جاء في الأثر: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. إذاً: الموت يقظة، كما قال تعالى: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] يعني: رأيت الحقيقة المرة ورأيت الحق. ولذلك كثير من الصالحين بعد موتهم يأتون أولادهم الصالحين في الرؤيا ويقولون لهم: انتبهوا، الأمر صعب غير سهل، الأمر يريد توبة ويريد استقامة، لا تغركم الدنيا انتبهوا وأسرعوا وعجلوا بالتوبة، وأعيدوا الحقوق لأصحابها، هكذا ينادي موتانا علينا كل يوم، لكن نحن لا نسمع، يقولون: يا أهلنا يا أحبابنا يا من سكنتم ديارنا وأخذتم أموالنا، لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتنا، واعلموا أنما الأموال لكم والحساب عليكم. كذلك القبور تنادينا أيضاً: يا من تسيرون علينا اعلموا أنكم عن قريب سوف تصلون إلينا. ومن فضل الله عز وجل عليك أن أرسل إليك قبل ملك الموت نذراً ورسلاً، أولهم سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين؛ وجعل السبابة بجانب الوسطى) يعني: هو والساعة مع بعض، لكنه جاء قبلها بقليل، فهو أول نذير بأمر الآخرة. وكذلك لما تنظر إلى المرآة ترى شعرات بيضاء في لحيتك، كذلك لما كانت صحتك جيدة وكنت تضرب بيدك في الحجر فتفلقه، والآن صرت مستنداً على واحد هذا نذير. كذلك لما تكون في حالة من الصحة ويأتي لك مرض هذا نذير، كذلك لما تقرأ القرآن عن مصارع السابقين وعن الحياة الدنيا: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] أي: الحياة الحقيقية في دار الآخرة لا في الدنيا، ونحن في الدنيا في مرحلة اختبار. ……
المراحل التي يمر بها الإنسان في الحياة الدنيا
الحياة الدنيا التي نعيش فيها هي مرحلة تسبقها مرحلتان وتتلوها مرحلتان، لكن المصيبة أننا غافلون عن المرحلة التي في النصف؛ لأن قبل المرحلة التي نحن فيها مرحلتين، وبعد المرحلة التي نحن فيها مرحلتين، فيبقى عندنا خمس مراحل: مرحلتان سابقتان للدنيا أولهما: عندما كنا أرواحاً في ظهور آبائنا، والله تعالى جمع هذه الأرواح كلها وأشهدهم على أنفسهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:172] قالت الأرواح كلها: بلى يا ربنا أنت ربنا. فهذه شهادة في عالم الأرواح، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، ويشرح ويبين هذا الحديث ما رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة : (لو أن مؤمناً دخل إلى مجلس فيه مائة منافق ليس بينهم إلا مؤمن واحد لجلس بجوار المؤمن وهو لا يعرفه)، مثلاً: لو أنك مسافر وفي جيبك قطعة معدنية أو سلاح، فتأتي وأنت داخل المطار وقبل صعود الطائرة يكشف عليك فتجد جهاز الإنذار يصفر عن بعد، والقلوب لها أيضاً استشعار عن بعد، ثم قال: (ولو أن منافقاً دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن لجلس بجوار المنافق وهو لا يعرفه) إذاً: الأرواح جنود مجندة، وأنت نفسك لما ينعم الله عليك بنعمة الاستقامة وجاءك واحد وكلمك عن الكرة وعن الدنيا وعن الأفلام والفيديو ستضيق منه، وتريد أن تنتهي الجلسة معه بسرعة، مع أنك قبل الاستقامة كنت تستريح لمثل هذا الكلام، فمن دلائل قبول الله توبتك أن تتحول حلاوة المعصية إلى مرارة، وتتحول مرارة الطاعة إلى حلاوة. اللهم حبب إلينا الطاعة يا رب، وزين الإيمان في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا مولانا من الراشدين يا رب العالمين. إذاً: فأول مرحلة كنا فيها: هي عالم الأرواح. المرحلة الثانية: ساعة التقاء ماء الرجل مع ماء المرأة وحصول الإخصاب، قال الله تعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]. وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر يعني: أنت تظن نفسك شيئاً صغيراً وأنت فيك الكون كله، وكل ذرة فيك توحد الله رب العالمين، لكنك لا تشعر بذلك وتغفل عنه. فمثلاً: الطفل الصغير عندما ينزل من بطن أمه يؤذن أبوه في أذنه اليمنى، ويقيم في اليسرى كما أمرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، عند ذلك ترى الطفل قد مدّ السبابة موحداً لله وهو صغير، فالأذان يلفت انتباه الطفل، وكذلك عندما يكون عمر الطفل شهرين أو ثلاثة يبتدئ يبحث على مصدر الصوت بالتوحيد، وأي صوت آخر لا يشغل باله؛ لأنه مفطور على التوحيد، ولأن أباه تزوج أماً صالحة، وعندما كان يعاشرها كان يقول: اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فالشيطان يكون بعيداً عن المولود من أول يوم يطلع فيه الولد الصالح بن الصالحين، وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82]. ولذلك ثبت علمياً أن من يتعاطى المخدرات أو الخمر أو المسكرات أو المفترات أو المنشطات سواء الأب أو الأم قبل المعاشرة الزوجية، أن الولد يأتي وعنده خبل عقلي، إن لم يظهر فيه وهو صغير يظهر فيه وهو كبير، وربنا حرم المسكرات والمفترات، وحرم كل ما يضر، وربنا سبحانه وتعالى أعطاك مادة موجودة في جسمك مشابهة تماماً للمورفين، وهذه المادة تجعلك تتحمل الألم أثناء الحمى أو الصداع أو وقت العملية أو حين يحصل في رجلك كسر ويقوم الدكتور بتجصيصها. فمن يتعاطى المخدرات أو يدخن ويدمن على التدخين فإن إفراز مادة المورفين هذه يتعطل، ولا تقوم بدورها في حماية الجسم، ويبدأ المدمن يحس بالألم إحساساً شديداً جداً. إذاً: فأنت لا تتدخل في إفساد ما خلقه الله رب العالمين، قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وقال سبحانه: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]، ركبك تركيباً سوياً، ركبك وجعلك من عناصر الأرض المختلفة، وهي ستة عشر عنصراً أو سبعة عشر أو تسعة عشر عنصراً، وجسد ابن آدم يرجع إلى عناصر التربة التي جاء منها، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون:12]. وقد قام علماء التشريح وحللوا الجسد الإنساني فوجدوا فيه من الحديد ما يصنع منه قدر مسمار (50سم)، ووجدوا فيه من الدهون ما يصنع منه قدر أربع قطع صابون من الحجم المتوسط، ووجدوا فيه قليلاً من الفسفور ما يصنع منه قدر رأس ستين عود كبريت، ووجدوا في ابن آدم قليلاً من الكالسيوم، وعشرة جالونات من ماء، وهذا الكلام كان في مؤتمر الكيمياء العضوية في فيينا سنة (68م)، فأنت لو باعوك كلحم في السوق لا تساوي ثلاثين جنيهاً، أي: قيمه اثنين كيلو لحمة جاموس أو بقر، هذه قيمتك كجسد، لكن أنت كروح كما قال الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29]. قعد بعض الشباب مع بعض فقال ابن أبي جعفر المنصور : أنا ابن أمير المؤمنين، وقال الثاني: أنا ابن كبير الشرطة، وقال الثالث: وأنا ابن الوزير، وقال الرابع: وأنا رجل فقير، لكن أنا ابن الرجل الذي أمر الله الملائكة أن تسجد له، يعني: إذا كنت أنت ابن أمير المؤمنين، وأنت ابن الوزير فأنا ابن آدم. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـعلي بن أبي طالب : (يا أبا تراب) وإليه نعود، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]. فأنت أيها الإنسان في عالم الأجنة وعالم الظلمات لا تسمع ولا تأكل ولا تهضم، وإنما تأخذ دماً طازجاً جاهزاً من الأم، فأنت محاط بظلمات ثلاث: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن. وبعد تسعة أشهر يأتي الأمر الإلهي بالاستعداد للهبوط، وبعد هبوطه وخروجه من بطن أمه تنتهي العلاقة بينه وبين أمه داخلياً. وأنت في بطن أمك لا تتنفس؛ لأن الرئتين مسدودتان، فعندما تقوم الممرضة أو القابلة بقطع الحبل السري يذهب الهواء مندفعاً إلى الرئتين، فإذا دخل الهواء الرئتين انتفخنا فيتألم الطفل ويبكي، ومن حوله يفرحون بولادته. وهذا الطفل لما يكبر قد يفتري وينصب ويكذب عليك، وقد يكون حاكماً ظالماً، أو طبيباً جشعاً أو غشاشاً في معاملته. ومن رحمة الله بالطفل أنه وضع له الرحمة في قلب الأم، سواء ولدته ولادة طبيعية أو قيصرية، فتجدها أول ما يبكي تقوم وتحمله وتسكته وتضمه إلى صدرها، فإذا أخذته جدته أو عمته أو خالته لا يسكت؛ لأن له تسعة شهور في بطن أمه وهو متعود عليها، فأول ما تحمله تعود النغمة الأساسية ويسكت الولد بأمر الله رب العالمين، رحمة بعدها رحمة. كذلك بعد الولادة يبتدئ اللبن يأتي، وكان قبل ذلك قد أوقفه الله سبحانه، فسبحان الذي أجراه، وهو معقم طبيعي لا يحتاج إلى تسخين، بخلاف اللبن الصناعي. ولبن الأم يتغير حسب نمو الطفل، فتركيب اللبن في الأسبوع الأول غير تركيبه في الأسبوع الثاني، وغير تركيبه في الشهر الثاني، وغير تركيبه بعد سنة؛ لكي يواكب النمو عند الطفل، فسبحان الله العظيم. أما الأب خلال الأسابيع الأولى من ولادة طفله، فإنه لا يلتفت إليه ولا يهتم به، ثم بعد ذلك تراه يحمله ويفرح به. والولد بعد هذا المجهود كله فإنه بعدما يكبر تراه يرفع صوته على أبيه وأمه ويشتمهما إلا من رحم الله. ……
مرحلة التكليف
إن مرحلة الدنيا هي مرحلة التكليف وحمل الأمانة، وهي أصعب المراحل، والله عز وجل لما أهبطنا إلى الدنيا من رحم الأم ونزلنا إلى سعتها وإلى نورها، بدأت مرحلة الطفولة وهذه ليس فيها حساب، والرسول قد أرشدك إلى أن تلاعب ابنك سبع سنين، أي: لا تنكد على الولد سبع سنين، بل لاعبه سبع سنين، لكن لا تدللـه حتى تفسد أخلاقه، وإنما تربيه التربية الحسنة، وتلاعبه بشيء من الحنان، وتحمل ابنك في حضنك. وقد اكتشف العلماء أن لحظة إرضاع الأم لابنها يخرج نوع من الإشعاع من قلب الأم يحس به الولد. أما الأولاد الذين يرضعون الحليب الصناعي نتيجة الفطام المبكر بسبب شغل الأم، فقد جاء في إحصائية في الاتحاد السوفيتي: أن الحضانات الجماعية التي يتربى فيها الأولاد بعيدين عن أمهاتهم، وبعيدين عن لبن الأم الطبيعي يكبرون وعندهم جفاء وعقوق، والولد الذي يرضع من أمه يصير باراً بأمه؛ ولذلك قال ربنا: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، قال علماء اللغة: (يرضعن) هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، أي: والوالدات يجب أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، يعني: أن الله يأمر الوالدات بإرضاع الولد أو البنت سنتين إن لم يكن هناك مانع صحي. قال ربنا سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الحج:1-2]، والمرضعة تطلق على الأم لحظة الإرضاع؛ لأن أكبر قدر من الحنان والرحمة يكون موجوداً حال الإرضاع، ولذلك جاء في الحديث: (كل مصة يمصها الولد منها يكتب لها حسنة، وتحط عنها سيئة، وترفع بها عند الله درجة) فالله عز وجل أكرم الأم؛ بسبب اهتمامها بالطفل وإرضاعها له. وقد قام جماعة من العلماء الفرنسيين بتجربة في مزارع جماعية للوز، فوجدوا أن الوز الذي يخرج من البيض عن طريق آلات التفريخ الحديثة ليس عنده انتماء لأحد، وليس له قائد ولا رئيس، فجاءوا قبل فقس البيض بأيام بصوت موسيقي معين، فبعد ما فقس البيض وخرج الوز أول ما كانت هذه الموسيقى تضرب يجتمع الوز كله، ثم أتوا بأمهات حقيقيات من الوز وجعلوها ترقد على البيض، فنظروا في هذه المزرعة التي تحوي آلاف الأمهات بعد ما فقس البيض، وكل عشرين أو ثلاثين واحدة من الوز الجدد اللاتي من أم واحدة تجدها أول ما يأتي وقت المغرب تذهب عند أمها، فقال الفرنسيون: الحل الوحيد لمسألة التضخم في فرنسا أن تعود المرأة إلى البيت مرة أخرى، لكن هذا القول لم يوافق هوى المرأة المديرة والدكتورة والوزيرة وغيرهن. نعود إلى المرحلة الثالثة التي نحن فيها، فالذي يموت الآن قبل قيام الساعة ينتقل إلى القبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، لكن الذي مات في الجو أو احترقت به الطائرة، أو غرقت به السفينة فأكلته الأسماك، أو مات مفقوداً محترقاً في سيارة أو في أي شيء، فيا ترى أين قبره؟ وكيف يكون حسابه؟ ثم بعد ذلك هل يشعر الميت بنا؟ وهل هو في حاجة إلى ذكرى سنوية أو أربعينية أو غير ذلك؟ ثم بعد ذلك هل كل الناس يموتون بطريقة واحدة؟ كل سنجيب عنه. قال بعض الصالحين عن بعضهم ممن كتب الله لهم سوء الخاتمة: كان هناك شخص يحتضر فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فكان يقول: ثلاثة ونصف، أربعة ونصف، خمسة ونصف. ورجل آخر كان مغرماً بلعب الطاولة، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فكان يقول: (كش ملك)، وهي أداة من أدوات الشطرنج والعياذ بالله. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأمتنا على خير حال يا رب العالمين، ونعوذ بك يا رب من سوء الخاتمة، وأحسن لنا خاتمتنا وعاقبتنا في الأمور كلها يا رب العالمين.
مقدمة عن الموت والنهي عن تمنيه لحصول الضر
إن الكارثة أن يموت الإنسان فجأة، فلو حصلت مشاكل وابتلاءات للعبد فقد نهي أن يدعو على نفسه بالموت، ولكن يدعو بما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كان الموت خيراً لي، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر)، هكذا يدعو الإنسان؛ لأن ربنا إذا أحب شخصاً أطال عمره وأحسن له عمله، وإذا أبغض شخصاً أطال عمره وأساء عمله. وربنا يحب ثلاثة وحبه لثلاثة أشد، ويكره ثلاثة وكرهه لثلاثة أشد: يحب التوابين أو الطائعين، ومحبته للشاب الطائع أشد، ويحب الصابرين، وحبه للفقير الصابر أشد، ويحب المتصدقين، وحبه للغني المتصدق أشد، ويكره العاصين، وكرهه للشيخ العاصي أشد، ويكره المتكبرين، وكرهه للفقير المتكبر أشد. إذاً: العبد لا يتمنى الموت لضر قد نزل به، ولكن إن كان ولا بد فليدع الله عز وجل أن يحييه إن كانت الحياة خيراً له، أو يميته إن كان الموت خيراً له؛ لأن العلماء يقولون: إن الذي يستعجل الموت واحد من ثلاثة: إما رجل جاهل بما بعد الموت، أي: ليس عارفاً بالأهوال التي ستقابله. والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كان مرة جالساً مع الصحابة فسمعوا وجبة شديدة، وقلوب الصحابة لم تكن مثل قلوبنا معتمة كانت مضيئة منيرة بكلام الله، منشرحة لذكر الله عز وجل، فلما سمعوا الوجبة خافوا وقالوا: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: أو سمعتم؟ قالوا: نعم يا رسول الله سمعنا، قال: هذا حجر ألقي في جهنم منذ سبعين سنة، وصل قعرها الآن)، انظر كيف كانت قلوب الصحابة حين سمعت وجبة الحجر في قعر جهنم. وكان سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما هنأت لكم حياة) يعني: لو نعلم الذي كان يعلمه الحبيب صلى الله عليه وسلم لما هنأت لنا الحياة؛ لأن الحبيب صلى الله عليه وسلم لما كان يسير في الأرض كانت الشجر تسلم عليه، والحصى تسلم عليه، وكان يسمع تسبيح الماء، وتسبيح الطيور، وتسبيح الرمال، وتسبيح الكائنات من حوله، فكان يعيش مع الله في كل لحظة وفي كل حين. ونحن بسبب أننا لا نعلم ما بعد الموت تجد الواحد منا عندما يغضب من امرأته أو من أولاده يدعو ويقول: اللهم لا تردني إليهم. نقول: لو أمنت الملائكة على دعائك لاستجيب لك، وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]، فينبغي للمسلم ألا يدعو على نفسه بالموت؛ لأن المستعجل بالموت إما جاهل لا يدري ما بعد الموت، وإما رجل غير راضٍ بما قضى الله في الدنيا، فهو يائس قانط متضايق، وإما رجل اشتاق لما عند الله عز وجل. يعني: عندما يمرض الإنسان يصير ذليلاً مستكيناً ضعيفاً خاضعاً بين يدي الله سبحانه، لكن كم من مريض وسقيم بقي دهراً: فكم من سليم مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر إذاً: الموت لا يختص بعمر معين، وإنما يختص بالوقت الذي يريده الله. ……
آداب زيارة الإخوان
هناك آداب لزيارة السليم: أولاً: اطرق الباب برفق، وأبعد عن الباب، وأجعل ظهري للباب؛ لأن سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم كان يدق الباب ويقف عن يمينه، لكن بعض الناس يطرق الباب بشدة ويضع أذنه على الباب، فهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم (اطلع عليه أعرابي من ثقب الباب، فقام إليه ليفقأ عينه بعود في يده، فما قام إلا وقد مضى، فقال: أما إنك لو ثبت لفقأت عينك). إذاً: البيوت لها عورات وحرمات فلا تدخل حتى تستأذن؛ لأجل أن تعطي فرصة لأهل البيت، فالعريانة تتغطى، والقاعدة تقوم وتدخل غرفتها، والرجل يستر نفسه، فالبيوت لها حرمات، وصاحب البيت له الحق أن يقول لك بعد أن يفتح الباب: أنا لا أستطيع أن أتحدث معك الآن، ولكن للأسف الشديد لو عملها معك، لقلت: والله ما أنا بداخل بيته إلى أن أموت مع أن الإسلام أعطى صاحب البيت هذا الحق، قال تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28]، كذلك لو أن أهل البيت قالوا لك: إن صاحب البيت غير موجود فينبغي أن تصدق أهل البيت، وإن كانوا كاذبين فربنا سيحاسبهم. إذاً: إذا استأذنت فاطرق الباب ثلاثاً وأعط ظهرك للباب، وإذا كان صاحب البيت غير موجود فلا تدخل ولا تنتظر، حتى ولو كانت المرأة ابنة عمه، فلا ابن عمها ولا أخو زوجها ولا زوج أختها يصح أن يدخل عليها وصاحب البيت غير موجود، هذا قانون الإسلام، الإسلام يعطينا إطاراً للحياة الطيبة ويحمي الحرمات، فأولادك الذين في البيت أعطاهم الله ثلاثة مواعيد، لما يريد الولد أن يدخل عليك غرفة نومك فينبغي عليه أن يدق عليك من قبل صلاة الفجر فلا يفتح الباب ويدخل، كذلك في الظهيرة وقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء، فمن حقك ألا تفتح بابك بعد الساعة الثامنة والنصف مساء، ولله مخلوقات تسير ليلاً فأقلوا السير بالليل، ومع ذلك تجد المرأة في الليل الساعة واحدة تمشي لوحدها، من أين يا أختي؟ قالت: أنا كنت عند أختي في الله، وأختك هذه ما تزار في النهار؟ أين زوجك؟ قالت: مسافر ربنا يوصله بالسلامة سبحان الله، يا أختي إن خروجك بعد المغرب خطأ إلا للضرورة القصوى، كحضور درس العلم بعد المغرب؛ لكن ينبغي للنساء أن يأتين مع أزواجهن أو مع محارمهن، أو مع صحبة ورفقة آمنة من الأخوات، ويرجعن مبكرات. إذاً: الإسلام أمرك أن تطرق الباب ثلاثاً ثم لا تدخل إلا بعد أن تستأذن، والضيف أسير في بيت صاحب البيت، فلا يتصرف إلا بإذن صاحب البيت، فلو كنت شخص آخر فاحتملت وصرت جنباً فلا تقل لصاحب البيت: أنا أريد أن أغتسل، بل تتوضأ وتتيمم وتصلي مع صاحب البيت؛ حتى لا تساور صاحب البيت الشكوك والأوهام. ……
آداب زيارة المريض وثوابها
هناك آداب لزيارة المريض وعيادته، وتجد أن أغلب زياراتنا فيها غيبة ونميمة ونقل لأسرار البيوت، وكلام النساء مع بعض، والرجال مع بعض، وهذه من الأمور المحرمة، فأيما رجل حدث أصدقاءه بما يحدث بينه وبين زوجته، أو العكس: الزوجة تكلم صديقاتها بما يحدث بينها وبين زوجها، فكأنما شيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى المرأة المسلمة أن تنعت صاحبتها لزوجها، يعني: تذهب المرأة وتقول لزوجها: هذه فلانة شعرها ناعم وجميل، فهذا حرام حرام حرام. فإذا مرض المسلم صار قريباً من الله؛ لأن المرض يرقق القلب ويجعله قريباً من الله، وأما العبد المفتري العاصي الصحيح القوي فتراه يتكبر، لكن انظر إليه عندما يصير كبيراً في السن ويمشي على عكاز فتجده كثير الذكر لله متواضعاً متخلقاً مع الناس، وكان من ثلاثين سنة يشتم هذا ويضرب هذا ويسجن هذا ويؤذي هذا! نعود إلى موضوعنا: إذا زرتم المريض فنفسوا عنه، وذلك بأن تقول له: إن شاء الله تنجح العملية وتشفى سريعاً وترجع لأولادك، وهذا لا يرد من قضاء الله شيئاً، ولكنه يطيب نفس المريض، فلو أن طبيباً مسلماً دخل على مريض ورأى أن حالته ميئوس منها، وأهل المريض ينظرون إلى هذا الطبيب ماذا يقول، فقال الطبيب المسلم وهو مبتسم: إن شاء الله المريض في خير، نحن مجرد وسيلة وسبب، والشافي المعافي هو الله سبحانه وتعالى، ويطيب نفس المريض بكلمتين طيبتين، لكن لو أن الطبيب يريد أن يعظم الأمر ويضخمه لأتى بمصائب الدنيا كلها، وقد ذكرت لكم في حلقات الدار الآخرة أن ضابطاً قال لصحابه: ما بك؟ قال له: يحصل لي ضيق في صدري حتى ما أقدر أن آخذ نفسي، فقال له صاحبه: هذا نفس المرض الذي مات بسببه أبي في الشهر الماضي، سبحان الله! فمثل هذا يعطي اكتئاباً لصاحبه. إذاً: إذا زرتم المريض فنفسوا عنه مصيبته، فأنت عندما تذهب إلى المريض تقعد عنده دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث دقائق وخمس دقائق فقط؛ بخلاف السليم فإنه حين يزار تطول الجلسة معه ولا حرج في ذلك، أما المريض فلا، وإنما تبقى عنده دقيقتين أو ثلاثاً أو خمس دقائق تدعو فيها للمريض بالشفاء، وترقيه الرقية الشرعية وتخرج. وأما ثواب الزيارة فقد ورد فيها عدة أحاديث منها: (من زار مريضاً فاضت الرحمة من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يعود) ومن زار المريض وجد الله عنده، ودعاء المريض مستجاب، والدعاء عند المريض مستجاب، وربنا من رحمته فإنه يسمع الملائكة أنين المريض، فإذا قال: آه آه سمعوه يقول: الله الله، فكتبوا ذلك، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى. والمريض الذي كان مواظباً على حضور دروس العلم وصلاة الجماعة فإنه يكتب له كل ذلك؛ لأن الذي حبسه هو المرض، وإذا شفاه الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ ولذلك كان الصحابة يحبون المرض، قال سيدنا أبو ذر : أحب الجوع، وأحب المرض، وأحب الموت، إذا جعت رق قلبي، وإذا مرضت خف ذنبي، وإذا مت لقيت ربي. هكذا حال العبد الصالح. أما الرقية الشرعية فيحرم أن تعلق آية الكرسي أو آية معينة في رقبتك، أو الزوجة؛ لأنه جاء في الحديث: (من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له)، والتميمة والودعة من الشرك. كذلك تعليق خرزة زرقاء مكتوب عليها آيات؛ من أجل دفع الحسد، كل هذا حرام. وكذلك جعل المصحف تحت رأس الولد لا يجوز، بل يحرم أن نضع فوق المصحف أي شيء أبداً؛ لأن المصحف يعلو ولا يعلى عليه، ولا تضع في المصحف ورقة مكتوب فيها، وإنما تضع فيه ورقة بيضاء وليس هناك حرج؛ لكي تعلم أين وصلت في القراءة، أو تضع خيطاً نظيفاً. أيضاً لا تكتب اسمك على المصحف؛ لأن اسمك لو كتبته عليه لصار فوق اسم الله سبحانه وتعالى، فتكون كمن اتخذ المصحف وراءه ظهرياً، أي: كأنك ألقيت كتاب الله خلف ظهرك. كذلك عندما تضع المصحف معك في السيارة ولا تقرأ فيه أبداً، وإنما وضعته حرزاً للسيارة فهذا لا يجوز؛ لأن المصحف للقراءة والعمل. وكذلك بعض الناس يضعون في حجر الأساس سواء لمصنع أو شركة أو محل أو مبنى أو دار أو سينما يضعون من هذا المصحف، وهذا لا يجوز، ولو كان بيدي الأمر لقطعت يده، كيف يضع المصحف وسط طوب وأسمنت والناس تمشي من فوقه! وبعضهم يضعون في عتبة البيت ووسط الخرسانة مصاحف، هذا استهزأ بكتاب الله! والمصحف يعلو ولا يعلى عليه. إذاً: نزور المريض وندعو له بالشفاء، ولا نطيل الجلوس عنده؛ حتى نخفف عنه. وهناك أدعية تقال عند المريض، منها: أن تضع السبابة في فمك ثم تضعها على الأرض ثم تضعها على جسد المريض الذي فيه الوجع، وترقيه، والرجل يرقي الرجل، والمرأة ترقي المرأة، ويجوز للرجل أن يرقي زوجته وابنته وعمته وخالته وجدته وغيرهن من محارمه، وكذلك يجوز للمرأة أن ترقي أختها وبنت أختها وابن أختها وابن أخيها وأخاها وعمها وخالها وجدها؛ لأن هؤلاء محارم لها، لكن المرأة لا ترقي أخا زوجها؛ لأنه أجنبي عنها. إذاً: تضع السبابة على فمك وعلى الأرض وعلى الجزء المريض وتقول أربع كلمات: باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا. أو تدعو للمريض وتقول: اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. أو تقول: كما أن رحمتك في السماء فأنزل رحمتك إلى الأرض، أنزل على هذا المريض رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك. جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ……
منقول / ح1
 


من مواضيع :
التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 10:59 PM   #2
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي



الحلقة الثانية
فضل الروح وماذا في القبور ..

سلسلة الدار الآخرة_فضل الروح وماذا في القبور؟
الدكتور / عمر عبد الكافى

إن الموت حق، وهو القضية العظمى التي أسهرت العباد، وأقضت مضاجع الزهاد، ونغصت على العقلاء حياتهم، وكدرت على المتقين معاشهم. ويشرع بعد موت المسلم أن يغمض، ويغسل، ويكفن، ثم يدفن في القبر، فالدفن مكرمة للميت. وقبل ذلك يجب على الإنسان أن يوصي خصوصاً إذا كان عليه حقوق للناس، ويجب على أوليائه أن ينفذوا تلك الوصية كما هي بلا تحريف ولا تغيير.
الاستعداد ليوم الرحيل
الموت سيعم الكل
الحمد لله حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فهذه هي الحلقة الثانية في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، وحديثنا اليوم بمشيئة الله عز وجل عن قبض الروح، وعن القبر وما فيه، وعن الوصية التي يجب أن يكتبها المسلم. أولاً: بإيجاز سريع قلنا في الحلقات السابقة في المقدمة: إنك عندما تذكر الموت وتجعله نصب عينيك ليل نهار فإنه يعطيك ثلاثاً من الفوائد: الفائدة الأولى: التعجيل بالتوبة. فعندما أذكر الموت فإني أسرع بالتوبة وأترك الذنوب التي كنت أعملها. اللهم تب علينا جميعاً يا رب العالمين! الفائدة الثانية: النشاط في العبادة. فعندما يبقى الموت نصب عينيّ فإني أكون نشيطاً في العبادة، وآتي إلى دروس العلم مسرعاً، ولا تقل: إنك معطل وقتك وتارك شغلك، كلا فهذا هو الغذاء الذي تغذي به قلبك، حتى إذا عرضت لك عوارض الدنيا استطعت بفضل الله عز وجل أن تقهرها. إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا يعني: أنهم نظروا للدنيا فرأوها على حقيقتها كاللجة، أي: مثل البحر الزخار بالأمواج، فأصبح المؤمن فيها ينظر كيف ينجو في هذا البحر، ولا ينجو إلا بصالح الأعمال. إذاً فصالح الأعمال هي السفن التي يستطيع أن يرسو بها على بر السلامة. اللهم أوصلنا جميعاً والمسلمين إلى بر الأمان يا رب العالمين! إذاً إن جعلت الموت أمامك فإنك ستسرع بالتوبة، وهناك نقطة أهم وهي أنك إذا كنت كذلك فلن تعمل ذنوباً جديدة؛ لأنك ترى الموت أمامك، فتقول لنفسك: ما دام الموت ينتظرني، وما دام أن العلماء علمونا أن أموراً أربعة وهي: أن الموت يعمنا، وأن القبر يضمنا، وأن القيامة تجمعنا، وأن الله يفصل بيننا، إذاً فلن أعمل الذنوب والمعاصي. إذاً فالموت سيعم الكل، لذلك قلنا: إنه من إساءة الأدب مع الله تعالى أن يقول مسلم من المسلمين: إن ربنا افتكر فلاناً؛ لأن الله لا ينسى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]. فالموت حق، والساعة حق، ومحمد حق، والقرآن حق، والجنة حق، والنار حق، وأن الله هو الحق المبين.
القبر سيضم الكل
والقبر يضم الغني والفقير، والرئيس والمرءوس، قال الشاعر: ولقد قلت لنفسي وأنا بين المقابر هل رأيت الأمن والراحة إلا في الحفائر فنظرت فإذا الدود عبْث في المحاجر ثم قالت: أيها السائر إني لست أدري انظري كيف تساوى الكل في هذا المكان وتساوى العبد مع رب الصولجان والتقى العاشق والقالي فما يفترقان ثم قالت: أيها السائل إني لست أدري فقد استوى الكل: الشاكي والمشكو في حقه، والظالم والمظلوم، والرئيس والمرءوس.
القيامة تجمع الكل
والقيامة تجمعنا، فهي تجمع الناس من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم يقف أمام من بيده الأمر كله، وليس هناك محامٍ ولا استئناف ولا واسطة، وكان سيدنا أبو بكر يقول: يا رب! لا وزير لك فيؤتى، ولا حاجب لك فيرشى، وليس لنا ملجأً إلا إليك.
الله يفصل بيننا يوم القيامة
والله يفصل بيننا، قال رسول الله: (يا أبا ذر ! قال: نعم يا رسول الله! قال له: أتدري فيم ينتطحان -أي: عنزة تنطح عنزة أخرى- قال: لا، قال: ولكن الله يدري، وسيفصل بينهما يوم القيامة). والعلماء توقفوا عند هذا الحديث الذي يخوف، لأن البهائم ليست مكلفة، وإنما كلف الإنس والجن، وهؤلاء هم الذي سيحاسبون يوم القيامة، إذاً فهذا الحديث كناية عن إقامة الحق يوم القيامة، فالملك يومئذ لله سبحانه وتعالى، فالدنيا فيها ظلم، لكن يوم القيامة يقول ربنا: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17]، ولذلك جاء في الحديث: (ولو بغى جبل على جبل لدك الله الباغي، ولو نطحت شاة قرناء شاةً جلحاء) أي: لو شاة بقرنين نطحت شاة من غير قرون، (لاقتص الله من هذه لتلك، ثم قال لها: كوني تراباً، فيقول الكافر يومها: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]) أي: أنه يقول: يا ليتني كنت بهيمة، يا ليتني كنت معزة، يا ليت كنت حماراً؛ حتى ينجو من عذاب الله عز وجل. اللهم أنجنا من عذابك، وأبعدنا عن نار جهنم، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، فنحن ضعفاء يا مولانا وقوي يا رب في رضاك ضعفنا، فأحسن عاقبتنا في الأمور كلها يا أكرم الأكرمين، إنك يا مولانا على كل شيء قدير. فالله يفصل بيننا، وذلك يكون بالحسنات والسيئات، فكل التعاملات يوم القيامة تكون بالحسنات والسيئات، فهو تعالى يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، و(خائنة الأعين) مثل الذي ينظر خفية ولا أحد يراه، لكن الله يراه، ولذا فـحاتم الأصم قال له ابن أخته: علمني الذي يرضى به عني، فقال له: يا بني هي ثلاث كلمات، قل دائماً: الله ناظر إلي، الله شاهد علي، الله مطلع علي، فالله تعالى يقول: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]. ولذلك: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] أي: أن الأرض تأخذ منك اللحم ويبقى العظم، وبعد عشرات السنين تأخذ العظم أيضاً ويبقى عجب الذنب، وعجب الذنب هو آخر فقرة في العصعص. وهذا الحديث لما عرضناه على علماء الأحياء (البيولوجيا) أسلم سبعة منهم بفضل الله في أحد المؤتمرات، وقال بعضهم: هل قال رسولكم: يفنى من ابن آدم كل جسده إلا عجب الذنب؟ قلنا: نعم، فهذا الحديث موجود في صحيح مسلم ، وهو صحيح رواه أبو هريرة . فعملوا التحاليل والتجارب فوجدوا كل جسم الإنسان يفنى إلا بعض ذرات من آخر فقرة في العمود الفقري، فهي التي يعرف الإنسان بها، فإذا شاء الله أن يُنفخ في الصور مرة أخرى: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]. يقول مولانا جل في علاه: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:7] أي: إذا عادت الأرواح إلى أبدانها، فلا تذهب روح محمود إلى عبد اللطيف، ولا روح سمير إلى عبد الله أبداً، فكل روح تروح للجسد المخصص لها، فربنا يقول: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] من الذي علم؟ إنه العليم الخبير، فلا تخفى عليه خافية. والله يفصل بيننا، فلما أرى الموت أمامي فإني أعجل بالتوبة ولا أعمل ذنوباً؛ لأن الله سبحانه يراني، يا رب إن رأيتني أغادر مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر لي رجلي، فإنها نعمة تنعم بها علي، هكذا دعوة الصالحين، اللهم جنبنا المعاصي، يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك، وتب على كل عاص يا رب، واهد كل ضال، واهدنا معهم يا رب العالمين. ولذلك فإن علياً كان يخاطب ربنا ويقول: ما أوحش الطريق على من لم تكن دليله! وما أضيق الطريق على من لم تكن أنيسه! وهي من الأنس وهو الظهور، أي: ظهرت لنا، فتخيل أن الله آنسك، أي: ظهر لك، فترى الله في كل حركة، فإذا أردت أن تعمل الحرام تذكرت أن الله يراك فتقلع. إذاً فالمؤمن يكون وقافاً عند حدود الله عز وجل، فما أوحش الطريق على من لم تكن رفيقه، فما دام ربنا ليس دليلاً لك فمن سيكون دليلك! قال الشاعر: ومن كان الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلابِ تخيل! واحداً يجعل الغراب دليله فهل سيذهب به إلى مصنع العطور، أو سيأخذه إلى الرمم؟! وفي الحديث: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، فأكثروا من الأخلاء الصالحين؛ فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة، الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب! إذاً إذا كان الموت أمامي فإني أعجل بالتوبة ولا أعمل الذنوب، فالعبد المسلم ما دام أن الموت أمامه يبقى نشيطاً في العبادة، فما هو الذي يجعلك تذهب إلى الجامع وتقوم بالليل وتصلي وتقرأ جزءاً من القرآن، وتتقي الله وتغض البصر، وتسد آذانك عن الحرام، لماذا هذا كله؟ لأنك تعتقد أن ربنا قد يميتك فجأة، وما دام سيأخذك فجأة فعليك أن تكون مستعداً للقاء الله. وقال أهل العلم: لا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله عز وجل، أي: أن المؤمن لا يستريح إلا عندما يلقى الله، وهذه المدة قد تطول، فيمكن تلقى الله بعد عشرين سنة، أو بعد سنة، أو بعد أسبوع، أو بعد مائة سنة، فربنا من رحمته جعل لنا لقاءات متكررة؛ من أجل أن نلتقي بالله ونستريح، فلا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله. وربنا لقاؤه يكون غصباً عنك، فمفروض عليك أن تلقاه خمس مرات في اليوم: في الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه خمسة أوقات تلقى الله فيها، وتقف بين يدي الله فيها، فأنت تتكلم والله يسمع، وأنت تدعو والله يجيب، وأنت تقرأ والله يستمع إليك، ولذلك قال لما يؤذن المؤذن: (يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أشعلتموها على أنفسكم بالذنوب وأطفئوها بالصلاة). فأنت حين تعمل الذنوب فإنها توجب أنك تحترق، فإذا صليت أطفأت تلك النار التي كدت أن تحرق بها نفسك، اللهم أطفئ عنا نيران الدنيا ونيران الآخرة يا رب العالمين. فإذا كان الموت أمامي فإن الله سبحانه وتعالى سيجعلني نشيطاً في العبادة إلى أن ألقاه، فالجنة تحتاج إلى عبادة، فأنت عندما تأتي إلى الجامع في المغرب فإنك تأتي من أجل عبادة الله، وأن تعمر بيت الله، فتقعد مع الإخوة الصالحين، فتحيط بك الملائكة، وتنزل عليك السكينة، وتأخذ كلمة تهديك وتجعلك في عداد التائبين، والله عز وجل يفاخر بك ملائكته ويقول لك: (يا عبدي أنت عندي كبعض ملائكتي)، وهذه من كرم الله عز وجل عليك. والمؤمن يكون عنده يقين في الله فلا يحزن، ولا تكتئب من طول الدنيا، ولا تقل: في الشهر القادم من أين سنأكل؟ لا تهم الغد فإنما الغد بيد الله، ومن رزقك اليوم فإنه قادر على أن يرزق غداً. وقد ضربت لك المثل بالرجل الذي كان يحب اللحمة، فالأطباء قالوا له: لو أكلت لحمة قد تؤدي بك إلى الموت؛ لأن نسبة الكلسترول عندك عالية، فلا تأكل أي نوع من اللحوم، فجاء الرجل وهو غضبان فقلت له: لماذا أنت غضبان؟ قال: أنا محروم من أكل اللحم، فقلت له: أولاً: أنت محروم من أكل اللحم من أجل ألا تنسى إخوانك الفقراء. العلة الثانية: أنت لك في هذه الحياة تموين عند الله، وهذا التموين له قيمة، يعني: واحد مكتوب له أن يأكل في حياته طناً من اللحم، فأكل تسعمائة وسبعين كيلو، فإنه يبقى له ثلاثون كيلو، ولا زال له في الحياة عشر سنين، فلو أكل على نفس الطريقة أو على نفس هذا المنهاج الذي يمشي عليه فسيأخذ أكثر من نصيبه، لكن لا يكون إلا ما قضى الله في سابق الأزل، فيأتي له مرض يمنعه من أكل اللحمة، هو يظن أن الدكتور هو الذي منعه، أو أن المرض هو الذي منعه، لكن هو لو يفكر لعرف أن تموينه من اللحمة قد انتهى من عند الله عز وجل، فالمسلم يفكر بهذا المنطق، يكون كل تفكيره أنه سائر كما قضى الله له. اللهم اقض لنا بخير يا رب العالمين، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا يا رب العالمين.
الابتلاء على قدر الإيمان
والآن سنتكلم على رقية المريض ووصية كل واحد فينا، فإذا مرضت فهذا خير لك، فربنا يبتلي المؤمن على قدر إيمانه، فلو كان إيمانك قوياً فابتلاؤك يكون شديداً، وكلما قوي الإيمان ازداد البلاء، لذا نجد أكثر الناس بلاءً هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فكل الأنبياء ابتلاؤهم قوي؛ لأنهم أقرب الناس إلى الله، وأخوف الناس من الله، وأشد الناس خشية من رب العباد سبحانه وتعالى، فتجد ابتلاءهم شديداً قوياً، والسيدة عائشة تقول: وارأساه -أي: عندي صداع- فقال رسول الله: (وارأساه أنا أيضاً يا عائشة ، فقالت: أتمرض أنت يا رسول الله؟!) أي: كانت حديثة عهد بالزواج، فتظن أنه لا يمرض؛ لأنه رسول الله، فقالت: وأنت أيضاً تمرض؟ فقال: (إني أوعك كما يوعك رجلان من أمتي) يعني: أنه يضاعف عليه الألم صلى الله عليه وسلم؛ من أجل أن يضاعف له الأجر. وقال الله عن نساء النبي: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32]، ثم حذرهن من الإتيان بالفاحشة: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب:30]؛ لأنهن زوجات رسول الله، فما بالك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فربنا يزيد عليه الابتلاء من أجل أن يزيد له الأجر عنده عز وجل. وموت الفجأة الذي يكون بدون مرض هو أحد حالتين: راحة للمؤمن، وحسرة على الفاجر. اللهم اجعلنا من المؤمنين يا رب. فخير العباد من طال عمره وحسن عمله، وشر العباد من طال عمره وساء عمله، ولما تأتي تميز أهل الحق وأهل الباطل يوم القيامة فإنك تجد أهل الحق قلة، مثل: أبي بكر و عمر و عثمان و علي والصحابة والتابعين و أبي حنيفة و مالك والإمام الغزالي و ابن تيمية و ابن قيم الجوزية و الجنيد وطائفة من الكبار والعظماء. وتجد طائفة كثيرة من الفسقة مثل: فرعون و هامان و قارون و أمية بن خلف و أبو جهل ، فأين هؤلاء أين وأين هؤلاء، و أبو جهل كان ينظر إلى ابن مسعود ويعتبره راعي غنم، وكان يقول له: يا رويعي الغنم. وكان أمية بن خلف ينظر إلى بلال بن رباح على أنه عبد حبشي، لكن هذا العبد بالإسلام يطأ الكعبة المشرفة بكعبه الأسود ليؤذن فوقها، فالإسلام يعز أناساً ويذل آخرين. اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين. لذلك قال ربنا لنا: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139]، ولا تظن أن أمريكا أعلى أو أن أوروبا أعلى، أنا لا أرى الأمريكان إلا حيوانات سائمة، ولا أرى الأوروبيين إلا خنازير سائمة في الأرض، فهم متقدمون ونحن مقصرون، فهنا ربنا يحاسبنا على قلة أعمالنا الدنيوية التي تعود بالفائدة على المسلمين، لكن رغم ذلك لا أرى الأمريكي غير المؤمن بالله إلا إنساناً نجساً، والأوروبي نفس القضية، فتجد أحدهم طول الأسبوع وهو يجري على الرصيف، ويجري في المواصلات، ويجري إلى العمل وهو متعب، ويرجع في الليل فينام ويصبح في اليوم الثاني يعمل مثل اليوم السابق، فتراه يسابق الزمن ويطلع فوق الجبال ويتزحلق، ويلعب الرياضة العنيفة، وحياته منتهية على هذه الصورة، وكل آماله محددة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وأما أنت فمسجون في الدنيا فتمنع نفسك من أشياء لا يحبها الله ولا رسوله، ويوم القيامة عند الله يكون الجزاء. اللهم أحسن خاتمتنا يا رب على الإسلام. فإذا مرض العبد فإنه يضاعف ثوابه، وتعال هنا نعيش مع رسول الله في اللحظات الأخيرة، ونرى الوصية التي أوصى بها، ونرى أبا بكر أيضاً، ثم نذكر الوصية التي نحب اليوم أن نتكلم فيها إن شاء الله، ونذكر بعد ذلك زيارة ملك الموت للمسلم وللمسلمة، عسى رب العباد أن يختم لنا ولكم بالإسلام. ……
مرض رسول الله ثم موته
لقد اشتد على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الألم في أواخر أيامه، ولم يستطع أن يخرج للصلاة بالمسلمين، حتى إنهم كانوا يسندونه فتخط قدماه على الأرض، وهذا دليل على أن رجليه تثقله ولا يقدر على رفعهما صلى الله عليه وسلم، وهذا نوع من الألم. وبعض الناس يقول لك: أنا مريض منذ خمس عشرة سنة، وأنا أقول يا رب وما زلت كما أنا، فنقول: هل أنت أشرف عند الله من رسول الله؟ ثم قال رسول الله: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فقالت السيدة عائشة : (إن أبا بكر رجل أسيف)، أي: رقيق القلب، (فإن قام فلن يسمع الناس من كثرة البكاء، فقال رسول الله: مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فالسيدة عائشة أعادت نفس الكلام، (إن أبا بكر رجل أسيف)، فقال رسول الله: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن أنتنَّ صواحب يوسف)، فالرسول إذا أمر بأمر فإننا نقول: سمعاً وطاعةً يا رسول الله! وهذا لا يعني أن الرجل لا يأخذ بمشورة زوجته إذا كانت صائبة، فالرسول لم يأخذ بكلام السيدة عائشة ؛ لأنها لم تصب في كلامها، وأمْر الرسول غير أمرك أنت. فامرأتك لو تحب أن تناقشك فناقشها، وأنزلها منزلتها، والمرأة في كثير من أمورها تقدم العاطفة على العقل، فطبيعتها وتركيبها هكذا، فتجدها تبكي من غير حاجة أحياناً، إذاً فالحنان الذي عندها لابنها لما تقوم له في الساعة الثالثة في الليل جاء من العاطفة، وأنت يمكن تتضايق من الولد إذا بكى ثلاث دقائق فقط، وأما هي فربنا وضع فيها هذا الحنان، وسوف يجزل لها العطاء إن هي صبرت، ولذلك ذهبت إحدى النساء إلى الرسول فقالت: يا رسول الله لقد أخذ الرجال الثواب كله، يصلون معك، ويذهبون يحاربون، ويحجون معك، ونحن قاعدات في البيوت نربي العيال، وننظف البيوت، ونعمل الأكل، وتغسل اللبس، ألا لنا من خير؟ انظر المرأة الناصحة تبحث عما يقربها إلى الله. فقال لها: (حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله) أي: طاعتها للزوج، وأدبها مع الزوج، وانخفاض صوتها مع الزوج، ورضاها بالزوج، كل هذا يعدل الحج والجهاد والخروج مع رسول الله. قال: (وقليل منكن من تصنعه)، وصدق رسول الله، فطالما المرأة عرفت طريق المسجد فانتظر منها خيراً، فلو أتيت بها إلى الجامع وتسمع له كلمتين فذلك خير لها ولك. فذهب الرجل يبحث عن أبي بكر فلم يجده ووجد عمر ، فقال: يا عمر ! قال له: نعم، قال: صل بالناس، فسيدنا عمر رأى رجلاً خارجاً من غرفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول له: صل بالناس، إذاً فالأمر هذا جاء من الداخل، فصلى بالناس صلاة المغرب وصوته عال، فقال رسول الله: (صوت من هذا؟ فقالوا: هذا عمر يا رسول الله، قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، لا يقدم أحد على أبي بكر ). فسيدنا عمر سمع هذا الكلام بعد الصلاة فارتعب، فدخل على رسول الله وقال: هذا الرجل هو الذي قال لي، فقال الرجل: لم أجد أبا بكر، ولم أجد أولى بالصلاة بعد أبي بكر من عمر ، وهكذا ترتيبهم فـأبو بكر مكان سيدنا رسول الله يصلي بالناس، و عمر يصلي مكان أبي بكر، ويمشي هذا الترتيب حتى في العشرة المبشرين بالجنة، فـأبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وهؤلاء هم الخلفاء الأربعة الراشدون بنص الحديث. فـأبو بكر صلى بالناس سبعة عشر فرضاً، أي: صلى بهم ثلاثة أيام وفرضين، إذا فالرسول لم يصل بالناس الأيام الثلاثة الأخيرة، وفي يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول وهو اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى أبو بكر بالناس صلاة الصبح، وهذا كان الفرض السابع عشر، ودخل يعود رسول الله وهو مريض صلى الله عليه وسلم، فوجد سيدنا أبو بكر الحبيب المصطفى صحته جيدة وهو قاعد، وقد كان لا يقدر على القعود، فـأبو بكر استبشر خيراً وفرح، وكان في صلاة العشاء التي قبلها قد نادى العباس و الفضل بن العباس فاستند عليهما وخرج إلى المسجد فوجد المسجد مليئاً بالناس، فمن فرحته نسي الألم صلى الله عليه وسلم وذهب يدخل في الصلاة، فصفق الناس لـأبي بكر من أجل أن ينتبه لرسول الله، وأنت عندما تقعد في الروضة الشريفة أمام قبلة سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ستجد القبر الشريف على شمالك، وقد كان المكان هذا عند الحاجز الألمنيوم الذي وضعوه، فقبله بمتر بالضبط هذا هو المتر الذي كان يطلع منه سيدنا الحبيب على القبلة، فكان سيدنا الحبيب يخرج وهو يمشي أمام المسلمين، يعني أمام أول صف فيخرج من الغرفة ويقعد في القبلة، فلما خرج رآه الصحابة، لأنه يمشي أمامهم، وأما أبو بكر فلم يره لأنه يصلي، فسيدنا أبو بكر أول ما حس أن هناك شيئاً التفت فلمح سيدنا رسول الله، فأراد أن يتأخر، فإذا بالرسول يقدمه مرة أخرى، والرسول صلى مأموماً خلف اثنين: خلف جبريل، وخلف أبي بكر . فقد صلى خلف جبريل عندما كان يعلمه مواقيت الصلاة، فلما فرضت الصلاة كان سيدنا جبريل ينزل ساعة أذان الفجر فيصلي به ركعتين، ويقول له: هذا الصبح، وقبل شروق الشمس بلحظات يصلي به ركعتين، ويقول له: هذا وقت الصبح. وجاء في وقت الظهر فصلى به الظهر، وقال له: هذا وقت الظهر، فهذا أول الوقت وهذا آخر الوقت، ثم العصر وجميع الصلوات يصلي به، فقد كان يصلي بالرسول مرتين كل فرض حتى تعلم رسول الله الصلاة صلى الله عليه وسلم، فصلى مأموماً متعلماً خلف جبريل، وصلى مأموماً خلف أبي بكر ؛ كي تظهر مكانة أبي بكر عند رسول الله وعند الله عز وجل. رضي الله عن أبي بكر ، اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يوم القيامة يا رب العالمين. ……
وصية رسول الله لأبي بكر
فسيدنا أبو بكر لما دخل وجد سيدنا رسول الله صحته جيدة، وكان قاعداً يتكلم مع من حوله، فقال له: يا رسول الله أنت اليوم صحتك جيدة، أتأذن لي أن أذهب إلى أسماء بنت عميس خارج المدينة؟ قال له: تفضل يا أبا بكر ، واستأذن عمر فدخل، فقال: يا رسول الله ورائي تجارة أتأذن لي؟ قال: تفضل، ففرق رسول الله الصحابة لحكمة يعلمها الله، وذلك من أجل أن الله تعالى يخلي المكان من كل المحيطين برسول الله ليخلو المكان لملائكة الرحمن، وقال أبو بكر لرسول الله قبل أن يخرج: أتريد أن توصيني بشيء يا رسول الله؟ فقال له: (يا أبا بكر إذا أنا مت فليغسلني رجال من أهل بيتي، ثم ادفنوني في المكان الذي مت فيه، وكفنوني في الثوب الذي ألبسه؛ فإن الحي أولى بالجديد من الميت). فانظر إلى تواضع سيدنا رسول الله، (الحي أولى بالجديد من الميت)، ثم قال: (يا أبا بكر إذا خرجت الروح فادخلوا علي زرافات ووحدانا)، لأن الكل لا يستطيعون أن يصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة، فادخلوا مجموعات مجموعات أو فرادى فرادى، (ولا تطروني) لا تمدحوني، وهذا يدل على أن حفلات التأبين حرام، والله أعلم بمن اتقاه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل التقوى. (لا تطروني ولا تعظموني، ثم خلوا بين دفني وبين صلاتكم ساعة) يعني: بعدما تصلون عليّ صلاة الجنازة اتركوني قبل الدفن قدر ساعة، والساعة هذه هي مدة من الزمن، وهي عند الصحابة قدر ذبح الجزور وتوزيع لحمها، فالسؤال الوحيد الذي سأله أبو بكر: لماذا يا رسول الله؟! فقال: (لأن الله وعدني أن يصلي علي هو بنفسه!). قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]. صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على النبي محمدِ فخرج سيدنا أبو بكر ، وخرج سيدنا عمر ، وخرج سيدنا عثمان ، ومشى سيدنا علي بعد قليل، فقال رسول الله: (يا عائشة يا فاطمة اخرجا، فقالا: لماذا يا رسول الله؟ قال: إن ملك الموت يستأذن)، فتخيل أنت ملك الموت يستأذن على سيدنا الحبيب وعنده فاطمة و عائشة ، ما هو شعور السيدة فاطمة والسيدة عائشة في ذلك الوقت؟!! ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته فيّ) يعني: أننا أصبنا بمصيبة كبيرة جداً بموت الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، وقد تكفل الله بحفظهما، فهذا القرآن أوامره وأحكامه باقية، فهو كتاب أنزله الله على قلب رسوله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالله قد تكفل بحفظه وحفظ سنة حبيبه، فإذا تمسكنا بهما فلن نضل أبداً. اللهم اجعلنا من العاملين بهما يا رب العالمين. فخرجت السيدة عائشة والسيدة فاطمة ، ثم قال ملك الموت: يا رسول الله! والله ما استأذنت على أحد أبداً إلا أن الله أمرني أن أستأذن عليك، قال: دعني حتى أكلم جبريل، فقال جبريل: نعم يا رسول الله، فقال له: (يا جبريل من لأمتي من بعدي؟). فهذا أهم شيء كان يهم حبيب الله، حتى إنه قال: (لن يحن عليكم بعدي إلا الرحماء)، فلا أحد سيحن عليكم إلا من كان يعرف ربنا ويتخلق بأخلاق الله، اللهم اجعلنا من الرحماء. فقال الله: (يا جبريل نبئ محمداً أننا لن نسوءه في أمته أبداً، وسوف نرضيه فيهم، فقال رسول الله: يسوؤني يا جبريل واحد منهم يعذب في النار، قال: بشر محمداً أن كل من قال: لا إله إلا الله فلن يخلد في النار). اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله، أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها آمنين مطمئنين يا رب العالمين. وبعد لحظات نادى على فاطمة وعلى عائشة فرأى فاطمة في حالة ذهول وكرب شديد، فقالت: (واكرباه عليك اليوم يا أبتاه! قال: يا فاطمة لا كرب على أبيك بعد اليوم) أي: انتهى العناء والتعب، فقد قضى ثلاثاً وعشرين سنة وهو يدعو قومه، وقد وقف ذات يوم عند جبل أبي قيس وقال: (يا معشر قريش أولو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، فما جربنا عليك كذباً فأنت الصادق الأمين، فقال: فإني رسول الله إليكم جميعاً، والله لتموتن مثلما تنامون، ولتبعثن مثلما تستيقظون، وإن ربكم لواحد لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم). فكذبوه وكانوا يضعوا أمامه القاذورات وعلى عتبته، وكانوا يضعون سلا الجزور على ظهره، وكانوا يذلون أصحابه ويجرونهم على الرمضاء ويعذبونهم، ثم جعلوه يترك مكة بعد ثلاث عشرة سنة من الدعوة، فذهب إلى المدينة وأصحابه هاجروا إلى الحبشة، ثم حاربوه وقاتلوه في غزوات متواصلة لم يسترح فيها قط. قال لها: (لا كرب على أبيك بعد اليوم، لقد خيرني جبريل بين الخلود في الدنيا وجوار الرفيق الأعلى، فاخترت جوار الرفيق الأعلى، يا فاطمة الصلاة الصلاة، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى. ثم همس في أذن فاطمة كلمة فبكت، ثم همس في أذنها كلمة فابتسمت)، فلما سئلت بعد كذا قال لها: إن ملك الموت سينزل الآن من أجل أن يقبض روحي فبكت، ثم قال لها: وأنت أول من سيلحق بي من أهلي فابتسمت، وبعد ستة أشهر كانت فاطمة مع أبيها في جنات عدن. اللهم أوصلنا بهم، واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.
صبر أبي بكر بعد موت النبي
وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت ضجة في المدينة كلها، فانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، فبدأ الصحابة يتجمعون، فـعمر بن الخطاب لم يتمالك نفسه فقال: لا، لقد ذهب ليلقى ربه، كما لقي موسى ربه وسوف يعود، ومن قال: إن محمداً قد مات لأفصلن عنقه عن جسده. وكان سيدنا عثمان بن عفان مثل التائه يؤخذ من يده فيجر ويؤخذ يميناً وشمالاً، فقد حصل عنده ذهول، وقعد علي بن أبي طالب على الأرض ولم يستطع أن يقف على قدميه، فما تمالك من الصحابة إلا أبو بكر ، وقد كان حب أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شديداً ورغم ذلك تمالك نفسه، وذلك لأن رصيد الإيمان الذي عند أبي بكر كان عظيماً، فقام وخطب الناس وقال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]. قال سيدنا عمر : وكأني أسمع هذه الآية لأول مرة، فهدأ أبو بكر الصحابة، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه الشريف وقبل جبينه، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله، وانقطع لموتك ما لم ينقطع بأحد من الرسل من قبلك. يعني: أن الأنبياء والرسل كانوا إذا مات الواحد منهم كان جبريل ينزل مرة أخرى بعده إلى الأرض، وجبريل عندما دخل على سيدنا الحبيب في آخر حياته قال له: لن يسوؤك ربنا في أمتك، وبكى جبريل، فقال: لماذا تبكي يا جبريل؟! قال: هذه آخر مرة أنزل فيها إلى الأرض، على من أنزل بعدك يا رسول الله؟ فقد انقطع الوحي وتمت الرسالة، واكتمل الكتاب، وأكمل الله الدين، وأتم النعمة، وقضي الأمر. فهذا معنى: وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من النبيين من قبلك. وقال سيدنا علي : كنت أمشي ذات مرة بالليل في ثاني يوم انتقل فيه الرسول للرفيق الأعلى، فوجدت عمر قاعداً إلى جنب القبر الشريف ويبكي ويقول: يا رسول الله! لو آكلت كفؤاً لك ما آكلتنا، ولو جالست كفؤاً لك ما جالستنا، ولو تزوجت كفؤاً لك ما تزوجت منا، ولكن تواضعاً منك جالستنا وآكلتنا وجلست معنا، والله ما أحد أشرف على الله عز وجل منك يا رسول الله! فانظر إلى حب الصحابة للرسول كان كيف؟ وانظر أيضاً إلى هذه الدرجة العظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم.
تغسيل رسول الله بعد موته
ولما جاءت ساعة الغسل قالوا: كيف نغسل الرسول؟ هل نخلع ثيابه أو نغسله من فوق ثيابه؟ فأقسمت عائشة أن الجالسين في الحجرة -وهي تنظر من الداخل- أصابهم النعاس فكانت لحاهم على صدورهم، وسمعوا صوتاً ولم يروا المتكلم: غسلوا الرسول من فوق ثيابه ولا تخلعوا ثيابه. فغسلوه، وكانت رائحته مسك صلى الله عليه وسلم من غير أن يضعوا له طيباً، فمن السنة أن نطيب الميت.
دفن رسول الله
ثم قالوا: يا ترى هل نضعه في لحد أو نضعه في شق؟ فكان في المدينة جماعة يحفرون القبور، وكان فيهم واحد مختص باللحد وواحد مختص بالشق، وهذا تعود لطبيعة التربة، فسيدنا أبو بكر قال: الذي سيصل الأول هو الذي سندفن الرسول بالطريقة التي هو مختص فيها، فجاء أولاً الرجل الذي يلحد، فلحدوا له ووضعوه في اللحد ثم حثوا عليه التراب. فمن السنة أنك عند الدفن تحثو على جسد الميت فوق الكفن ثلاث حثيات، والإنسان لو يفكر في حاله وفي مآله وفي مصيره فإنه لا يتكبر ولا يظلم ولا يفتري ولا يفسق ولا يذنب، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أهل عليين، وأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة. فتحثو على الميت ثلاث حثيات، وتقول في أول حثية: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه:55]، وفي الثانية تقول: وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55]، وفي الثالثة: وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]. فلما رجعوا دخل سيدنا أنس يطمئن على السيدة فاطمة فالسيدة فاطمة لاقت أنس بشيء من الألم والأسى، فقالت: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على وجه رسول الله؟! فقال: هكذا أمرنا يا أم الحسنين أي: هو الذي أمر بهذا وعلمنا السنة صلى الله عليه وسلم، وجزاه الله عنا خير الجزاء وخير ما جازى نبي عن أمته. اللهم اسقنا بيده الشريفة شربة من حوض الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم أسكنا معه في الفردوس الأعلى يا رب العالمين، إنك يا مولانا على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
الرقية الشرعية
فالإنسان منا عندما يمرض يجب ألا يحزن وألا يضيق ذرعاً؛ لأن المسلم طالما أنه يحسن الظن بالله عز وجل فإنه يلقى الله عز وجل وهو عنه راض. اللهم اجعلنا ممن يحسن الظن بك يا رب العالمين. فالإنسان الذي يظن ظناً حسناً بالله عز وجل فإنه يبقى سعيداً في الدنيا، وإذا كانت صحتك جيدة فقدم الخوف على الرجاء، ففي الدنيا تكون خائفاً أكثر، فلما تشعر أن السن قد كبرت، أو المرض قد اشتد، والمؤمن كلما ازداد إيمانه حط في ذهنه أنه على وشك أن يرحل، فهنا يزداد الرجاء على الخوف؛ من أجل أن تلقى الله وأنت حسن الظن به سبحانه. قلنا: إن الرقية الشرعية لا تكون لا بحجاب، ولا بخرزة، ولا بحاجة تتعلق، ولا بمصحف تحت المخدة ولا هذا الكلام كله، وإنما تكون الرقية الشرعية بالأذكار والأدعية الشرعية، فتضع سبابتك على فمك ثم تضعها على الأرض، ثم ضعها على الجزء المريض في جسد المريض وتقول: (بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا)، أو تقول: (اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)، أو (اللهم كما رحمتك في السماء أنزل رحمتك على الأرض، وأنزل على هذا المريض رحمة من رحمتك وشفاءً من شفائك) أو تضع يدك أنت على الجزء الذي يؤلمك وتقول: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، والذي لا يحفظ هذا كله يضع يده على الجزء المريض ويقرأ فاتحة الكتاب بنية الشفاء، يشفى بإذن الله رب العالمين. وجاءوا لي بطبيب الورى وروحي تنادي طبيب السماء طبيبان: ذاك ليعطي الدواء وذاك ليجعل فيه الشفاء فطبيب الدنيا يكتب لك الدواء فقط، وربنا الله عز وجل هو الشافي، وهذا سيدنا أبو بكر وهو يموت قيل له: أفلا نطلب لك الطبيب يا أبا بكر ؟ فقال: قد طلبته وجاءني، قالوا: وماذا قال؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد. فانظر إلى ثقة أبي بكر بالله تعالى وصلته به. ……
الوصية وبعض أحكامها
والآن نتحدث عن الوصية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبيتن أحدكم إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) يعني: ليس هناك أحد مسلم يؤمن بالله ولم يكتب وصيته إلى الآن، وأنا واثق بفضل الله أن كل المريدين عندي قد جهزوا وصاياهم منذ سنوات طويلة، لكن هناك أناس كتبوا وصاياهم وقاموا بتخبئتها، وهذا خطأ، أنا أريدك تكتب الوصية وتعرف المقربين مكانها، فقوله: (إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) يعني: تبقى معروفة ومحطوطة ومكتوبة وجاهزة. واكتب ما يأتي في هذه الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان ابن فلان، وتكتب اسمك، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصي من قرأ هذه الوصية بأن يتقي الله عز وجل ولا تغره الحياة الدنيا، ولا يغره بالله الغرور. أوصي أني إذا مت فليفعل ورثتي ما يأتي: تغمض عينيّ أول ما تخرج الروح، ويشد لحية الميت -أي: دقنه- بمنديل أو بفوطة أو بحبل، نشدها ونربط من فوق؛ لاحتمال أن يبقى فكاه مفتوحان فيبقى فمه مفتوحاً، فنضم الأسنان أو الفكين على بعض ونربط من تحت الدقن. ثم نغطيه بشيء غير الغطاء الذي كان متغطي به، ولكن قبل ذلك نخلع الملابس التي مات فيها، ونحن الآن للأسف لا نعرف ما هو الموت، ولا دارسين الموت، ولا نحضر دروس العلم ولا عارفين ما هي القواعد، فتجد بعضهم يتركون الميت قافلين عليه الباب وخارجين، فبعضهم يذهب إلى الصوان والذي يمسح التربة، وبعضهم يذهب يكتب النعي في الجريدة، وهذه كلها الميت ليس له دعوة بها، فنريد أن نهتم بالميت؛ لأنه أمانة إلى أن نعيده إلى صاحبه. إذاً فالمسلم أول ما يموت فالذين حوله يغمضون عينيه، ويربطون لحييه، ثم نخلع ملابسه ونغطيه. فتكتب: لا يدخل علي بعد موتي حائض، ولا يقبلني بعد موتي من لا يحل له تقبيلي في حياتي، يعني مثل: بنت عمتي وبنت خالتي، فلا يجوز لهما تقبيلي وأنا حي، فمن باب أولى عدم جواز ذلك وأنا ميت، حتى إن بعض أهل العلم قال -وهذا رأي الإمام أبي حنيفة وأنا أميل إليه- حتى إن امرأته لا تدخل عليه؛ لأن عقد الزوجية قد انتهى بالموت، وهذه مسألة تخاطب الفطرة. وهناك أثر للسيدة عائشة تقول فيه: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل الرسول إلا أزواجه. لكن رأي أبي حنيفة أقوى؛ لأنه استدل بدليل أقوى من دليل السيدة عائشة ، فإن عقد الزوجية قد انتهى، فالزوج قد مات إذاً فهي ليس لها زوج، فلا يصح أن تدخل عنده، فبالتالي لا تقبله ولا تغسله ولا تحضر غسله. إذاً فلا يدخل علي حائض ولا جنب، ولا أسمع رنة في البيت، والرنة هي الصويت أو العويل، وأنا بريء من ذلك. فعلى المسلم منا أن يكون مستعداً للقاء الله، إذاً فلا تدخل علي حائض ولا جنب، ولا يقبلني بعد موتي من كان يحرم عليه تقبيلي في حياتي، وأنا بريء من الآتي: بريء من التي تصوت، وبريء من ذبح شيء أمام النعش، فلا عقر في الإسلام، فالذين يذبحون أمام الجنازة وهي طالعة هذا حرام، وهذا الأمر كان في الجاهلية. ثم بعد ذلك من جلس عندي يجب أن يذكر الله، وأن يدعو بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على الدعاء أو على البكاء، يعني: أن القاعدين عند الميت يقولون: اللهم ارحمه، والملائكة تؤمن آمين، اللهم اغفر له، آمين، اللهم ثبته عند السؤال آمين، اللهم اجعل كتابه في يمينه، آمين، واخلفه في عقبه في الغابرين، آمين، ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر اللهم لنا وله، والملائكة تقول: تؤمن. فإن كان الميت صالحاً فإن ملك ينزع الروح فتخرج من الرجلين الركبتين، ثم إلى الصدر، ثم الحلق، إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:26-27]، فالذي يرقى بهذه الروح هم ملائكة الرحمة إن كان من أهل النعيم، وملائكة العذاب إن كان من أهل الجحيم. اللهم اجعلنا من الذين تقبض أرواحهم ملائكة الرحمة يا رب العالمين. ومعهم حنوط وأكفان من الجنة، فيبتدئون بالروح وتطلع سهلة ميسورة مثل قطرة الماء عندما تنزل من في السقا، ففي الحديث: (كالقطرة من الماء تنزل من فم القربة). وأما غير الصالح والعياذ بالله فإن روحه تكون متشعبة في جميع أجزاء جسمه، فعندما تنزع فإنها تنزع مع العروق وأجزاء الجسم، ونحن حول الميت لا ندري شيئاً، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85]. إذاً فالمسلم الموجود عند الميت لا يقول إلا خيراً. ثم على أهلي إذا ذهبوا لمواراة جثتي التراب أن يوجهوني إلى القبلة، وأن يغسلني فلان وفلان ويحدد، أي: لو كانوا موجودين أو على قيد الحياة أو قريبين في البلد، ولا يكثر الحاضرون على الغسل إلا من كانت له ضرورة، فلا يدخل كل أحد؛ لأن للميت عورات. ومن غسلني إذا جاء عند عورتي فليلبس خرقة لكي لا يلمس عورتي. ثم إذا دفنتموني فلينزل معي في القبر فلان أو فلان وتحدد، فليس كل واحد ينزل، ولتوجهوني إلى القبلة، ولتضعوني على جنبي الأيمن، ولتحثوا على جسدي التراب ثلاثاً، ولتقولوا في أولاها: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، ثم بعد ذلك يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو الله لي الحاضرون بالاستغفار وبالتثبيت عند السؤال. ثم لتمكثوا عند قبري ساعة، أي: قدر ذبح الجزور وتوزيع لحمها، أي: تقعدوا تستغفروا لي، حتى أستأنس بكم، وحتى أستطيع أن أراجع ملائكة ربي. ثم مالي يقسم كما أمر الله عز وجل التقسيم الشرعي، وأوصيت من مالي -في حدود الثلث- كذا للجهة الفلانية أو لفلان، ولا يكون هذا لوارث؛ فلا وصية لوارث، فالذي يرث لا يأخذ من الوصية. وأوصيت بكتبي -إذا عنده مكتبة علمية- للجهة الفلانية؛ من أجل تبقى صدقة جارية، وأوصي من خلفي بتقوى الله عز وجل، وألا تغرهم الحياة الدنيا، وأن يكثروا الترحم علي، وأدعو الله لهم بالتثبيت وبالتوفيق وبالهداية، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [البقرة:181]، ثم تمضي عليها، وتشهد إخوانك الصالحين أو من أهل العلم والتقوى. وهكذا تكون قد أرحت الذين وراءك، وعرّفت الذين وراءك القوانين، وإذا عملوا شيئاً غلطاً فإنه في ذمة الذي عمل ذلك، وأنت بريء يوم القيامة من كل سوء إن شاء الله، اللهم برئنا من الذنوب والخطايا والعيوب يا أكرم الأكرمين. ……
أحوال القبر
أنت كمسلم يجب عليه أن تعلم ما قاله عثمان رضي الله عنه قال: القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن كان يسيراً فما بعده أيسر، وإن كان شديداً فما بعده أشد يعني: أن القبر أول خطوة من خطوات الآخرة، لأنك دخلت في عالم الغيب. وكان عمرو بن العاص -وهو فاتح مصر- يقول: لو عاد لنا ميت ليقص لنا ما حدث. أي: لو يرجع ميت ويحكي لنا ماذا في القبر. فلما نزل الموت بسيدنا عمرو اجتمع عليه الصحابة فقالوا له: لقد كنت تتمنى أن يرجع أحد ويحكي لنا الذي يحصل، فأنت الآن ماذا يحصل لك؟ فقال سيدنا عمرو : والله كأنما انطبقت السماء على الأرض، وكأن روحي محشورة بينهما، وكأنني أتنفس من ثقب إبرة، وكأنني عصفور فوق مقلاة زيت يغلى على نيران ساخنة، فلا هو يطير فينجو، ولا يموت فيستريح. هذا كلام عمرو بن العاص فاتح مصر، والرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو راض عنه. فأول ما تطلع روحك وتفارق البدن فأنت حي تماماً ولكنك لا تتكلم، بدليل أن سيدنا عمراً قال: إذا مت فلا تدخلوا علي أحداً من أقاربي المحارم وهو لابس ثوباً أحمر، قالوا: لماذا يا عمرو ؟ قال: حتى لا تفكر الروح في نار جهنم فتفزع. وسيدنا عبد الله بن عمر كان يمشي في جنازة فسمع رجلاً يقول: استغفروا لأخيكم، فقال له: اسكت لا غفر الله لك. لأن الجنازة لا تشيع في صوت، وإنما تشيع في صمت، فأنت لو كتبت هذا الكلام كله في الوصية فإنك تخرج نفسك من الأزمة. فالميت أول ما ينزل القبر وندفنه فإنه يرى ويسمع ويشعر ولكنه لا يتكلم فقط، فهو يحيا حياةً من نوع آخر، فقد انتقل من نوع من الحياة إلى نوع آخر من الحياة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (وإنه ليسمع قرع نعالهم وهم يغادرونه)، وهذه أصعب لحظة عليك من ساعة ما ولدت، فأهلك يتركونك وحيداً. وهذه اللحظة صعبة جداً تريد إيماناً قوياً، وربنا يقول: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]. فأنت الآن تذكر الله بسهولة؛ لأنك قاعد وسط إخوانك وفي النور، وفي حالة من الأنس، وأما هناك فهي حالة من الرعب والذعر، وسيأتيك ملكان يسألانك، وقد سأل سيدنا عمر رسول الله فقال له: صفهم لنا يا رسول الله، قال: (يخرج من فيهما نار، ومن منخريهما نار، ومن عينيهما نار، ومن أذنيهما نار). فخاف سيدنا عمر وقال: (وأعرف ساعتها أني عمر ؟) يعني: ساعتها يكون عندي عقل وأعرف أنني عمر ، فقال له: (تعرف يا عمر ، قال له: إذن والله لا أبالي)، فكيف سيكون حالنا، نسأل الله السلامة. فإذا كان الميت له رصيد من الحسنات فإنه سيجيب على السؤال، فإذا قيل له: (من ربك؟ قال: ربي الله لا إله إلا هو، من نبيك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، وما دينك؟ قال: الإسلام، وما كتابك؟ قال: القرآن، فيقال له: نم هنيئاً عبد الله، ويوسع له في قبره مد البصر، ويفتح له باباً ليرى مقعده من الجنة، فيقول: يا رب عجل بالساعة عجل بالساعة). وأما الثاني -والعياذ بالله- فيحصل له ذعر ورعب، فيقال له: من ربك؟ يقول له: أنت، فيضربه بالمرزبة ضربة يغوص منها إلى سابع أرض، ثم يرجع فيقال له: من ربك؟ وهو يعرف أن الإجابة الأولى غلط، فيقول: لا أدري، وما دينك؟ لا أدري، وما كتابك؟ لا أدري، ومن هذا الرجل الذي أرسل فيكم؟ لا أدري، فيقال له: على الشك عشت، وعلى الشك مت، وعلى الشك لقيت الله، فليس لك اليوم ههنا حميم، فينطبق القبر عليه وينظم حتى تختلف أضلاعه، ويفرش له حيات وعقارب، ويفتح له باب يرى مقعده من النار فيقول: يا رب لا تعجل بالساعة لا تعجل بالساعة. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم اجعل الموت راحة لنا من كل شر، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وتوفنا على الإسلام، اللهم توفنا على الإسلام، اللهم توفنا على الإسلام، وارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً. اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، وعلماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا تشبع، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، أحينا على قول لا إله إلا الله، وأمتنا على قول لا إله إلا الله، وابعثنا من قبورنا آمنين مطمئنين تحت راية لا إله إلا الله، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ……

منقول ح 2
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:10 PM   #3
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة الثالثة


سلسلة الدار الآخرة_ما بعد الموت
الدكتور / عمر عبد الكافى

لقد حض الشرع على كتابة الوصية حال الصحة، وينبغي أن تكون الوصية جامعة مانعة، بحيث يكون فيها الوصية للأهل بالاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى، وترك ما يخالف شرعه، وأن يقضوا عنه دينه، ويكون فيها إرجاع الحقوق إلى أهلها.
الأمر بكتابة الوصية قبل الموت حال الصحة والمرض
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله عز وجل الحلقة الثالثة من سلسلة الحديث عن الدار الآخرة، وهي الحلقات التي يختص الحديث فيها بالموت وما بعده، وهي الرحلة الأساسية لكل إنسان في هذه الحياة، وهي الدار الباقية التي ينادى فيها أهل الجنة وأهل النار: (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت) . اللهم اجعلها جنة أبداً وخلوداً في جنة الرضوان يا رب العالمين. وليس الحديث عن الدار الآخرة حديثاً للقنوط أو لليأس، ولكنه حديث يشحذ الهمم نحو الله عز وجل، ونحو الفرار إليه سبحانه وتعالى، وهو الذي أمرنا بالفرار إليه، والمسلم دائماً يفر من الدنيا إلى الله، ومن الناس إلى الله، ومن الابتلاءات إلى الله، ويعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه. والحديث عن الموت وما بعد الموت يوسع صدر الإنسان الضيق، ويشرح صدر الإنسان المنغلق، ويضيء قلب المسلم العاصي، وينير الطريق لكل واحد منا، فما الذي ينجيه بعد الموت؟ وما الذي يوجب العذاب بعد الموت؟ عندما يدرك الإنسان هذه الحقائق كلها يدرك أنه في الدنيا ضيف، وأن الدنيا عارية مسترجعة مؤداة إلى رب العباد سبحانه وتعالى، وأنه لابد للإنسان أن يرحل منها؛ لأنه يسمع كلام الصادق صلى الله عليه وسلم محمد حيث يقول: (إنما أنا في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) . فالإنسان نهايته الموت، وإذا حملت أيها الإنسان جنازة إلى قبر من القبور فاعلم أنك سوف تحمل، وإن غسلت ميتاً فاعلم أنك بعدها سوف تغسل، وإن اشتريت كفناً لميت قريب أو عزيز لديك فاعلم أنه سوف يشترى لك كفن، واعلم أنك إن لحدت ميتاً أو وضعته في قبره فسوف يأتي عليك وقت توضع أيضاً في قبرك، وحتى من مهمته وشغلته أن يلحد الأموات في قبورهم، فإنه سوف يلحد يوماً ما، وسوف يموت يوماً ما، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام. تحدثنا في الدرس الماضي عن الوصية، وقلنا: إنه لابد لكل مسلم ألا ينام إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه. والوصية لا تخص المال أو العقار فقط، بل لو أن أحد أقاربك وأهلك لطم الخدود أو شق الجيوب، أو أن المرأة صاحت وقالت: يا سبع يا جملي لمن تتركنا؟ فكل هذا الكلام تكون قد أعلنت براءتك منه، وأوصيت بهذه البراءة، حتى إن نزلت إلى القبر كنت بريئاً من أي عمل يخالف ما جاء في الكتاب عن الله وما جاء في السنة عن الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. ……
صيغة الوصية ومعناها
إن صيغة الوصية تكتب هكذا. بسم الله الرحمن الرحيم (هذا ما أوصى به فلان بن فلان -وتكتب اسمك- أنه يشهد أن لا إله إلا الله)، جاء في الحديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة). اللهم اجعل آخر كلامنا لا إله إلا الله. وأنت ولابد إما أن تموت بين صلاة الصبح والظهر، أو بين صلاة الظهر والعصر، أو بين العصر والمغرب، أو بين المغرب والعشاء، أو تموت بين العشاء والفجر. والمسلم بطبيعته مواظب على الصلاة، فمادام مواظباً على الصلاة فكل الصلاة توحيد لله عز وجل. كذلك المسلم دائماً يذكر الله، (من أصبح وأمسى ولسانه رطب بذكر الله أصبح وأمسى وليس عليه خطيئة) . فإذا أصبحت وأمسيت ولسانك معطر بكلام الله عز وجل محيت عنك الخطايا، والمسلم أو المؤمن كله منفعة، فإن جالسته وحادثته وماشيته نفعك، وإن سافرت معه نفعك، وإن صاهرت منه أو صاهر منك نفعك. فمن شكره جيرانه ورفقاؤه في السفر، والمعاملون له في الأسواق، والذين يشترون ويبيعون منه، فهذا لا يشك في صلاحه، (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى). إذاً: فالمسلم دائماً لسانه رطب بذكر الله، وأنت كمسلم تقعد مع المسلمين الصالحين الذين يذكرونك بالله، وتقعد مع الواحد منهم فيقول لك: سمعت في الدرس كذا، ورحت عند الشيخ فلان وقال كذا، وخطبة الجمعة التي مضت قال الخطيب فيها كذا، وقرأت في الكتاب الفلاني كذا، فكل مجالسته خير. وأما لو جلست مع أصحاب الدنيا فإنهم ييئسونك من رحمة الله، ويقنطونك من فضل الله، ويضيقون عليك الدنيا حتى تنحرف أو تنتحر. لكن المسلم يشرح صدرك ويقول لك: يا أخي أنت مغمور في نعم الله، (من أمسى معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) . وربنا أنعم على قريش وقال: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4]. فمادام ربنا أعطاك الأمن والصحة فاحمد الله على نعم الله، واشكر الله على فضل الله، واعلم أنك كلما اتصلت بالله عز وجل جعل الله لك من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقك من حيث لا تحتسب؛ ولذلك قال رجل لسيدنا علي: يا أمير المؤمنين إن رزقي ضيق، قال له: استغفر الله. كذلك من ليس عنده عيال عليه أن يستغفر الله، وإذا لم ينزل المطر على قوم يقال لهم: استغفروا الله، فقد قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح:10] أي: يغفر الذنوب، فهذه أول ثمرة من ثمرات الاستغفار: غفران الذنب، ثم ماذا قال: يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [نوح:11] . فأول الخير أمن الطعام وذلك بنزول الماء. ثم قال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:12] كل هذه من ثمرات الاستغفار. إذاً: تكتب الوصية هكذا: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، أوصي من تركت من أهلي -زوجتك عيالك أمك أباك قرابتك- أوصي من تركت من أهلي أن يتقوا الله)، وهذه أعظم وصية تجعلها لأهلك؛ لأن كثيراً من الناس يوصي أولاده قائلاً: لو زرتم عمكم بعد الموت سأبقى قلقاً في تربتي، والمرأة عندما يأتي عليها الموت تقول: انتبهوا تزورون خالتكم فهي أكلت ميراث أبي ولم تعطني شيئاً، ولو زرتموها سأبقى حزينة في تربتي، وسأكون عليكم غضبانة إلى يوم الدين، فقولوا لها: اغضبي كيف شئت، وأما نحن فسنرضي الله عز وجل ونصل خالتنا. ذهب رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله أذنبت ذنوباً كثيرة، قال: أما لك من أم؟ قال: لا، أما لك من خالة؟ قال: نعم لي خالة، قال: صل خالتك وبرها يكفر الله عنك كل الذنوب) . فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اذهب وزر خالتك، وقبل يدها كما تقبل يد أمك، وقبل رأسها كما تقبل رأس أمك، وقبل رجلها كما تقبل رجل أمك، وأمك التي تقول لك: لا تزر خالتك بعدما أموت، قل لها: لا، إن وصيتك هذه مخالفة لشرع الله، ولا ينبغي العمل بها. ……
الوصية بالإصلاح بين المتخاصمين الأقرباء
ينبغين للمرء أن يوصي أهله بأن يتقوا الله، فهي أعظم وصية، وأن يصلحوا ذات بينهم؛ لأن من ضمن الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً المخاصم لأخيه، فكل أخوين متخاصمين، أو أختين متخاصمتين، أو أخ مخاصم لأخته، أو أخت مخاصمة لأخيها لغير سبب شرعي يخشى على هؤلاء عدم قبول عباداتهم، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نعطي من حرمنا، وأن نعفو عمن ظلمنا، وأن نحلم على من جهل علينا، وقد جاء في الحديث: (إذا تخاصم الأخوان قال الله عز وجل: لا تكتبا لهما ثواباً حتى يصطلحا، فإن لم يصطلحا فلا تكتبا لهما ثواباً حتى يموتا). فلا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج كل ذلك لا يكتب ثوابه للمتخاصمين. وبعض الناس يكون مخاصماً لأخيه أكثر من عشرين سنة، وقبل أن يذهب للحج يقول: أرفع سماعة التليفون وأرمي ذنوبي عليه. فنقول لهذا: ليس هناك أحد يرمي ذنوبه على الآخر، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] . ويقول سبحانه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34]، فيأمر الله عز وجل أن ادفع بالتي هي أحسن، والنتيجة: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] أي: صديق قريب يهتم بأمرك. وبعض الناس يقول: أنا أحاول مع خصمي ولا فائدة. نقول: أنت تحاول لكن ليس من قلبك، أنت تحاول من ظاهرك، ولو حاولت من قلبك لانقلب العدو إلى حبيب، والبعيد إلى قريب، والشانئ الكاره إلى محب راض عنك وترضى عنه. اللهم انزع الغل والحقد والحسد من قلوبنا، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا يا رب العالمين. إذاً: لابد أن يصلحوا ذات بينهم، وهذه أعظم وصية. وهناك أسباب تجعل الأخ يغضب ويحقد على أخيه، منها: أن بعض الآباء يحابون ولداً على ولد، فنقول: لا تحابوا أحداً على حساب أحد، إن كنت تحب ولداً أكثر من ولد محبة قلبية فلا تظهرها؛ من أجل ألا يحقد بعض الأولاد على بعض، وسئلت الأعرابية وكانت حصيفة لبيبة فطنة كيسة: من أحب أبنائك إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والمسافر حتى يعود. يعني: أنا أحب الولد الصغير أكثر حتى يكبر؛ لأنه ضعيف يحتاج إلى من يقف بجواره، ولذلك إذا جاءك ولد على كبر أو بنت على كبر وزوجت البنات الكبار أو الأولاد الكبار وأعطيتهم حرفة أو صنعة، فمن الواجب أن تحجز، للصغير مبلغاً يساوي ثمن تعليمه الحرفة حتى يستوي بإخوانه الذين سبقوه، مع مراعاة سعر العملة. إذاً: فالذي يجعل الإخوان يغيرون من بعض ويحقدون على بعض، ويقاطع بعضهم بعضاً، فهذا قد وقع في خطأ كبير، والأولاد قد لا يظهرون هذا الأمر أمامك حياء منك، أو خجلاً من أمهم، مع أن القلوب تشتغل في الداخل؛ ولذلك رأينا أن يوسف الصديق لما قال له رجل: إني أحبك، بكى، فقيل: ما لك يا يوسف، يقول لك: إني أحبك فتبكي؟ قال: وهل بلغني من السوء ما بلغني إلا بسبب الحب، أحبني أبي فألقاني إخوتي في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فألقوني في غياهب السجن، كل هذا بسبب الحب. إننا بحديثنا هذا لم نخرج عن حديث الدار الآخرة؛ لأن من ضمن الذي ينجيك يوم القيامة أن تسوي بين أبنائك وبناتك، وإذا أحببت ولداً لطاعته وهدوئه ودماثة خلقه وبره فلا تظهر ذلك إلا من باب النصيحة، تقول: انظر إلى أخيك كيف يعمل إنه طائع بار محسن، ولا تزد على ذلك؛ لأن الأولاد الآن أصبحوا من العناد بمكان، فإذا أمرتهم بشيء فعلوا عكس الأمر الذي أمرتهم به. وسيدنا النعمان بن بشير لما ذهب به أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا رسول الله إني نحلت ابني النعمان بستاناً، فقال صلى الله عليه وسلم: أكل أبنائك قد نحلت؟ -يعني: هل أعطيت كل واحد من أبنائك بستاناً؟- قال له: لا، فقال: أشهد عليه غيري، أنا لا أشهد على جور أبداً). إذاً: لا تميز أحداً على أحد.
الوصية بطاعة الله ورسوله
أيضاً تتمة الوصية: (وأن يطيعوا الله ورسوله -إن كانوا مؤمنين- وأوصيهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132])، هذه أعظم وصية. وانتبه أن تذهب وتنتمي لطريقة أو فرقة أو طائفة أو جمعية، بل أنت مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وهي طريقة واحدة وخط واحد: كتاب وسنة. اللهم اجعلنا من أهل الكتاب والسنة يا رب العالمين. قال تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] فجمع أولاده حوله حين جاءه ملك الموت يقبض روحه، فقال لهم: إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133]؟ لم يقل: أريد أن أؤمن مستقبلهم بالأموال لا، بل أراد أن يطمئن على العقيدة، وسيدنا زكريا لما دعا ربه قال: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:6] أي: يرث العقيدة والتوحيد والنبوة والاستقامة، وسيدنا زكريا لم يترك وراءه الأموال وإنما ترك التوحيد والنبوة. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133]، فقال الأولاد: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133]، فهذه هي وصية الأنبياء والرسل لأبنائهم. كذلك سيدنا عيسى لما شعر أن بني إسرائيل لن يرضوا بالإيمان قال الله عنه: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52] سبحان الله، فالحواريون أمنوا وأسلموا. وقال أتباع سيدنا موسى: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف:126]. وقال سيدنا يوسف في آخر القصة: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101] هذا الكلام يقال في آخر الحياة. وبلقيس ملكة سبأ لما جاءت إلى سليمان قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44]، ولم تقل: أسلمت لسليمان، لا، بل قالت: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ [النمل:44]، فلا واسطة بينك وبين الله. قيل: لـعلي بن أبي طالب: ما المسافة بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قل: يا رب، يقل: لبيك يا عبدي، أهذه المسافة قريبة أم أنها غير قريبة؟ وتطرق باب الله في أي وقت، وباب الله لا يغلق أبداً، اللهم! فتح لنا أبواب رحمتك، وأكرمنا ولا تهنا يا رب العالمين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير.
الوصية بحضور الصالحين عند الاحتضار
وقد أوصيت بما يأتي: (أن يحضرني بعض الصالحين قرب الوفاة؛ ليذكرني بحسن الظن بربي وبرجاء رحمته). يعني: إذا كنت في صحة فليكن الخوف أكثر من الرجاء، وأما إذا جاءك المرض وأحسست أن هذا مرض الموت فليكن الرجاء أكثر من الخوف. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو ينازع الروح فقال له: (بم تشعر؟ قال: أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي، قال: أبشر! فما اجتمعا في قلب عبد إلا وأدخله الله الجنة) . قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] أي: يكون خائفاً من أمر الآخرة وما فيها، وفي نفس الوقت عنده رجاء وأمل في رحمة الله، ولذلك عندما دخل أبو موسى الأشعري على سيدنا عمر بعد أن طعنه أبو لؤلؤة أعطوه كأساً من لبن فنزل من جرحه مشوباً بالدم، فعرفوا أن الطعنة جاءت في جدار المعدة ففتحتها، وهذا دليل أنه اختلط بالدم، فبكى عمر وقال لابنه عبد الله : يا عبد الله ضع رأسي على الأرض، وكان سيدنا عبد الله قد جعل رأس أبيه في حجره، فلما قال له: يا بني ضع رأسي على الأرض، فوضع رأسه على الأرض من أجل أن تصدق فيه نبوءة الحبيب صلى الله عليه وسلم ويموت شهيداً رضي الله عنه، وكان يقول: يا ليتني كنت نسياً منسياً، ليت أم عمر لم تلد عمر ، ثم قال: يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة، انظر إلى هؤلاء الذين يبحثون عن الآخرة، وبعد أن نشرح لكم ونوجز لكم أمر الوصية سنقف مع وصيتين: وصية أبي بكر الذي هو أعظم الناس وأفضل الخلق وأكرم الأمة بعد رسول الله، ولو وضع إيمانه في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجح إيمان أبي بكر. وسننظر بم أوصى عند الموت؟ الوصية الثانية: وصية الحجاج بن يوسف الثقفي ، سننظر بم أوصى عند الموت؟ وشتان ما بين الوصيتين. اللهم أكرمنا بحسن الختام يا رب العالمين. قال عمر : (يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: إن عمر بن الخطاب ولا تقل لها: أمير المؤمنين؛ فما عدت لكم بأمير. الإمارة انتهت، لا تقل لها: أمير المؤمنين؛ حتى لا تظن عائشة أنه يجب عليها طاعة أمير المؤمنين، وإنما لها الخيار في الأمر الذي ستخبر به. انظر يا أخي ماذا تقول هذه الشخصيات العظيمة، اللهم ألحقنا بهم يا رب، ولا تحرمنا رؤيتهم والمكث معهم ومجاورتهم في الجنة يا رب العالمين. وقل لها: إن عمر فيستأذنك أن يدفن بجوار صاحبيه. وصاحباه هما: سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبو بكر ، يستأذن أم المؤمنين عائشة ، و عائشة كانت تريد أن تدفن بجوارهما؛ لأن هذا أبوها وهذا زوجها. فلما جاء عبد الله بن عمر إليها وجدها تبكي، وقالت: والله ما من شجر ولا مدر ولا حجر حتى الدودة في باطن الصخرة إلا وقد حزنت لما حدث لأمير المؤمنين عمر ، هذا كلام السيدة عائشة ، فقال لها عبد الله بن عمر : إن عمر يستأذنك أن يدفن بجوار صاحبيه أتأذنين؟ قالت: كنت أردته لنفسي، ولأثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل عبد الله من عندها قال له: وافقت يا أمير المؤمنين، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قبضت فاحملوني، وقبل أن تدفنوني اذهب فاستأذن منها مرة أخرى، فربما استحيت وأنا على قيد الحياة، ولا تستحيي مني بعد موتي. يقول برنارد شو : كلما قرأت عن شخصية عمر بن الخطاب ظننت أنه أسطورة من أساطير القرون الوسطى. يعني: أنه شيء غير واقعي. إذاً: فأنت أيها المؤمن توصي أن يحضرك الصالحون؛ لأن عمر بكى وتوجس خيفة وقال: ويل لـعمر إن لم يرحم رب عمر عمر ، وبكى وأجهش بالبكاء، فبكى من حوله، فقال أبو موسى الأشعري له: يا أمير المؤمنين لقد سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر بن الخطاب) . وسيدنا عمر قد سمع هذا الحديث من الرسول كما سمعه أبو موسى ، ولكن الخوف غلب عليه، فلما سمع هذا الحديث من أبي موسى قال له: أعد علي يا أبا موسى ، فقال له: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر) وقال له: أعد علي، فأعاد عليه ثانية، قال له: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفاضت روحه إلى ربه. فعند الموت يحضر الصالحون الذين يذكرونك بالآخرة ولا يذكرونك بالدنيا وبلائها. فكل الخلق سيموتون، وسيدفنون تحت الأرض: العظيم والحقير، الصغير والكبير، الغني والفقير، وليس هناك أحد يدفن فوق الأرض أبداً، بل كلهم تحت الأرض. يا ابن آدم القبر يناديك كل يوم ويقول: يا ابن آدم رويدك وأنت تسير فوق ظهري، كن شفوقاً علي حتى أكون شفيقاً بك بعد أن تموت، لا تدك الأرض بقوة، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37] . وأول صفة من صفات عباد الرحمن كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63] اللهم اجعلنا منهم يا رب، يعني: الذين يمشون بتواضع وتذلل لله، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]. والموت يكون للبدن فهو الذي يتعفن ويتحلل، ولذلك نوسع القماش الذي نكفن فيه الميت؛ لأنه بعد أيام ينتفخ وينتفخ، وبعدما ينتفخ تأتي البكتيريا وتبتدئ الديدان فتأكل اللحم والشحم حتى لا يبقى إلا الهيكل العظمي، وبعد سنوات لو لمست الهيكل العظمي يذوب مثل الرماد. وأما الموت للروح فهو ترق، فالروح تنطلق في الملكوت عند رب الملكوت سبحانه، أي: روح المؤمن، فروح المؤمن في عليين، اللهم اجعلنا منهم يا رب، وهذا في كتاب مرقوم يشهده المقربون. وأما الروح الثانية والعياذ بالله فهي في سجين: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين:8] وهي روح الكافر. إذاً: تعود كل نفس وروح من العالم الذي جاءت منه، فالبدن جاء من التربة فيعود إلى التربة، والروح تنطلق في هذا الكون، تنطلق إلى مكان لا يعلم به إلا الله عز وجل، قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] . فأنا عندما يحضرني الصالحون فإن سيذكرونني بالله وبرحمته، وسيكلمونني بالكلام الطيب، وسيلقنوني كلمة التوحيد، لكن لا تثقل على الذي ينازع الروح عند تلقينه كلمة التوحيد؛ لأن الذي يموت لا تعرف حالته ولا وضعه، فأنت تنظر إليه وهو أمامك، ولكن هو يرى ما لا ترى ويسمع ما لا تسمع، فهو مثل الطائرة عندما تقلع تبدأ تجري على الممر ثم بعد ذلك الطيار يقوم بفصل الأنوار ويوقف التكييف من أجل أن تستعد الطائرة للإقلاع، ويقول لك: اربط الحزام، وامتنع عن التدخين، فهذه اللحظة الحاسمة في انطلاق الطائرة، ومغادرتها للأرض، وأصعب اللحظات عند الطائرة حين تمر في ممر المطار، فالطائرة تستجمع كل القوى من أجل أن تغادر الأرض، فهكذا مغادرة الروح قريبة من هذا الأمر، فالميت الذي ينازع الروح يكون في حالة أنت لا تعرفها. وهذا إمام أهل السنة سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه لما جاءه الموت وابنه بجواره كان يقول له: يا أبت قل كلمة التوحيد، قل: لا إله إلا الله، فكان يشير بيده أن لا ، فخاف وارتعد، وبعدما أفاق من غشوته قال له: يا بني لا تثقل على الذي يموت، قال له: لماذا يا أبت؟ قال له: لقد شعرت بعطش شديد ورأيت كأنما إبليس جاء لي بكوب من الماء، يقول لي: أسقيك من هذا وتقول كلمة الكفر، فكنت أقول: والله لا أقولها أبداً. أما الإنسان المقيم على المعاصي فربنا يفتنه ساعة الموت والعياذ بالله، فيأتي الشيطان إليه في صورة أبيه أو أحد أقربائه الذين ماتوا قبله فيقول له: هل تعرفني؟ يقول له: نعم، فيقول له: أنا مت قبلك، فإن أردت أن تدخل الجنة فمت على دين النصارى أو مت على دين اليهود، فيتبعه والعياذ بالله، فهذا الذي يفتن عند الموت، اللهم لا تفتنا لا في الحياة ولا عند الموت، ولا في القبر ولا بعد القبر يا رب العالمين. فأنت يا مسلم أكثر من الطاعات من أجل أن يأتيك ملك الموت وأنت ثابت، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] . وأحاديث الدار الآخرة ليست من العقل، وإنما هي من الكتاب والسنة، ولا نستطيع أن نأتي بشيء من عندنا؛ لأن هذا شيء يخرج عن القياس، وإنما نقول: قال الله قال الرسول صلى الله عليه وسلم. إذاً: لا تثقل علي المحتضر حين تلقنه لا إله إلا الله، لكن لو أن مجموعة من الصالحين كانوا عند المحتضر فقالوا لأحدهم: يا فلان ألا تقوم لترقي فلاناً، فيقول: يا جماعة أريد منكم قبل أن أرقيه أن توحدوا الله، فقال كل القاعدين حول الميت: لا إله إلا الله، فالمحتضر من ضمنهم سيقول: لا إله إلا الله، وينطق بشهادة التوحيد، فهذا من أجل أن تخرج هذه الكلمة من فمه فيلقى الله عليها، فيبعث في الموحدين يوم القيامة. والميت يحس لكنه لا يتكلم، أليس سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم لما دفن قتلى المشركين في قليب بدر قال: (يا أهل مكة إني وجدت ما وعدني حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قال الصحابة: عجباً يا رسول الله أتخاطب جيفاً؟ فقال: والذ
الوصية بتجهيز الميت وتعجيل دفنه وغير ذلك
أيضاً الوصية بالتجهيز وتعجيل الدفن إلا لعذر، كأن ينتظروا من يرجى فيه الخير والصلاح للصلاة عليه، فأحياناً تجد من يوصي أن فلاناً يصلي عليه، ففي هذه الحالة يباح أن يتأخر بالجنازة قليلاً، لكن أن ننتظر ابنها الذي في الجزائر أو في الكويت أو في لندن من أجل أن يأتي بالطائرة غداً، لا، فهذا لا يصح، لكن إن كان في داخل القطار وسيأتي في عدة ساعات يسيرة فممكن، وغير كذا يكون إكرام الميت أن نعجل بدفنه. أن يمنع القيم عليه الورثة من إخوانه وامرأته وأبنائه من رفع الصوت بالنياحة والندب ولطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بدعوى الجاهلية كان تقول المرأة: يا سبعي يا جملي، لمن تتركنا؟ هذا من دعوى الجاهلية، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية) . يعني: خرج من الملة والعياذ بالله. وأيضاً المسارعة بقضاء ما علي من الدين، يوصي بذلك؛ لأن أهم شيء يخرج من التركة الدين، فلو كان على أبيك دين فسارع بقضائه؛ لأنه يظل محبوساً في قبره إلى أن يسدد عنه الدين. وأيضاً يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، والمرأة في خمسة، الثلاثة الأثواب هي الأول: القميص يكون للميت إلى نصفه، والثاني: يكون من حقويه إلى تحت الرجلين، والثوب الثالث: نلف به الجسم كله. ويوصي بألا يكفن بثوب من حرير أو ثوب غال؛ لأن كثيراً من الناس يأتون بثوب غال جداً ويكفنون به الميت، وبعدما ينزل في القبر ينزل واحد بموس أو سكينة ويمزق الثوب؛ من أجل ألا يسرقه الذين ينبشون القبور، فمثل هذا الصنيع يغضب الميت، وحرام أن يدفن الميت في ثوب غالي الثمن. والحمد لله أن الناس قد عرفوا وفهموا وأدركوا هذه الحقيقة. ويوصي بمنع خروج النساء إلى المقابر مطلقاً سواء مع الجنازة أو في الأعياد أو في الجمع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) فأمك لو قالت لك: أريد أن أزور قبر أبيك حتى لا يغصب علي، فقل لها: لن يغضب عليك، وأنت لو قعدت في بيتك هذا خير، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا فاطمة أين كنت؟ قالت: كنت أعزي في بني فلان، فقال لها: لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: لا يا أبت كيف وقد نهيت؟ قال: لو ذهبت معهم إلى الكدى لما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك). أيضاً يستحب السكوت عند تشييع الجنازة، فقد جاء في الحديث: (إن الله يحب الصمت عند ثلاثة: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة). فلم يقرءون القرآن عند الجنازة مع أنه يستحب الصمت عندها؟! وأيضاً يسرع بالجنازة، فقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه: إذا حملتم جنازتي فأسرعوا وعجلوا بها، فإن كان خيراً فقد قدمتموني إليه، وإن كان غير ذلك فشر تطرحونه من فوق أعناقكم. ولذلك الميت المؤمن إذا حمل على الأعناق يقول: أسرعوا أسرعوا، لو رأيتم ما أرى ورأيتم ما ينتظرني لأسرعتم بجنازتي، وأما الميت العاصي والكافر فيقول: يا ويلي يا ويلي علام تسرعون؟ لو رأيتم ما أرى لأبطأتم بجنازتي. كذلك جاء في الحديث: (ما من ميت يصلي عليه أربعون لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه يوم القيامة) . وإذا كثر عدد المصلين على الميت كان دليلاً على أن الله سبحانه وتعالى يكرم هذا الميت. وأيضاً يوصي ويقول: من يضعني في قبري يقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد الدفن يقف المشيعون عند قبري ساعة. وأما الناس الذين يجلسون على القبور فحرام فعلهم ذلك، لا تجلس على القبر؛ لأن تجلس على جمرة فتحرق ثوبك خير لك من أن تجلس على قبر ميت، والدولة مسئولة أمام الله عن ساكني القبور. وإذا رأيتم الرجل يأكل أو يشرب أو يتكلم في أمور الدنيا، أو يضحك عند القبور فاعلموا أنه مطموس البصيرة، بعيد عن رب العباد سبحانه. إذاً: يجلس المشيعون بعدما يدفن الميت ساعة، يستأنس الميت بهذا الجلوس والاستغفار والتثبيت عند السؤال.
الوصية بمنع كافة البدع في المآتم
أيضاً يوصي بأن يمنع ما جرت به العادة من الإتيان بمن يقرأ القرآن أيام الميتم، أو كل ليلة جمعة، أو في الأربعين أو فيما يسمونه بالذكرى السنوية. والتعزية مشروعة إذا خلت من البدع والمحرمات، وينبغي إحضار أحد العلماء ليفقه الحاضرين في دين الله، وأما أن يؤتى بالمقرئين والمنشدين وغير ذلك من البدع فلا؛ لأن كل هذا شيء لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، وإنما هذه بدع يجب أن تنتهي من البيوت، وكان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يموت الميت يقفون عند القبر بعد دفنه، والناس الذين دفنوا يعزون أهل الميت يقولون: آجركم الله، البقاء لله، وليس هناك شيء اسمه: البقية في حياتك ولا غير ذلك من الكلام الباطل، وليس هناك أن صاحب الميت وأهله يقعدون في البيت ويلبسون السواد ويأتي الناس للتعزية، ليس هذا من الإسلام. أيضاً يمنع أهل البيت من صنع طعام يجمعون عليه الناس، بل المفروض أن يصنع الطعام لأهل الميت؛ لأنه جاءهم ما يشغلهم، فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)، لكن النساء لما يحضرن للأسف الشديد في المآتم، هذه أخته وهذه ابنة عمه، وهذه ابنة خاله، وهذه ابنة أخيه، فتراهن يقعدن فيأتي الصبح ثم الظهر ثم العصر فيقوم أهل الميت بتقديم الأكل والقهوة والشاي وغير ذلك، وأهل الميت في حزنهم. أقول: لو رجعت إلى البيت ووجدت نساء في البيت جئن للعزاء فاطردهن والعهدة علي؛ لأن في هذا إبطالاً لبدعة من البدع، إن لم تطردهن أنت فمن الذي سيطردهن! وسيدنا عمر رضي الله عنه لما دخل في مأتم وجد نسوة جالسات بينهن واحدة تعدد مآثر الميت، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : اضربها يا ابن عوف إنها تأمر بالجزع والله قد نهى عنه، وتنهى عن الصبر والله قد أمر به، وإنها تسكب دموعها بدنانيركم. إذاً: لما تجد نساء في البيت اطردهن، سواءً كنّ من قرابتك أو من غير قرابتك، ليس هناك نساء يجلسن في البيت للعزاء؛ لأن اجتماعهن في المآتم شر.
الوصية بالثلث في وجوه البر
أيضاً الوصية بمبلغ من المال بحيث لا يزيد عن الثلث، يصرف على الفقراء، وكذلك يقول: وأوصيت أن تكون كتبي للمسجد الفلاني أو للمكتبة الفلانية، وجعلت النظر في هذا لمن يرأس أهل السنة في هذه الجهة، الذي هو الإمام أو الشيخ القادر على ذلك، وبالجملة فإني أبرأ إلى الله عز وجل من كل فعل أو قول يخالف الشرع الشريف، ومن أخل بتنفيذ هذه الوصية أو بدلها أو خالف الشرع في شيء ذكر أو لم يذكر فعليه وزره، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:181]. تحررت الوصية في يوم كذا، في سنة كذا هجرية وميلادية، والموصي فلان، والشهود فلان وفلان.
قصيدة شعرية في الوصية
قمت منذ سنوات وترجمت هذا الكلام في أبيات من الشعر، ولعلها حين تطبع وتوزع عليكم ستجدونها إن شاء الله، يقول القائل: وإذا أتاني الموت تلك وصيتي بالله لا تبغوا لها تبديلا أرجو حضور الصالحين فإنهم يرجون يوماً للحساب ثقيلا يستغفرون لي الإله لعلني يوم الوداع أفوتكم مقبولا وشهادة التوحيد دوماً لقنوا فقد اطمئن بها الفؤاد طويلا بصري يغمض تلك روحي قد سمت فادعوا إلهاً غافراً مأمولا الآن غطوني بثوب آخر وسلوا الإله اللطف والتسهيلا دفني يعجل لا تخلوا جيفتي من بينكم روحي تروم طويلا لا تلطموا، لا تصرخوا، لا تكفروا سأكون عن أخطائكم مسئولا وقضاء ديني فاحذروا إهماله مما تركت فقد أردت قبولا أثواب تكفيني تكون ثلاثة بيضاً وهذي فضلت تفضيلا ودعوا الحرير فإن ذاك محرم ولم الغلو فلن يدوم طويلا وأيا نساء محارمي وقرابتي أجبن ربكمُ أطعن رسولا بالبيت قرن لا تزرن مقابراً لا تلتمسن لقوله تأويلا صلوا علي ثم اكشفوا نعشي وأحيوا سنة وتبتلوا لإلهكم تبتيلا وإذا خرجتم تتبعون جنازتي فالصمت حينئذ يكون جميلا ولتسرعوا بجنازتي يا إخوتي رب العباد غداً لنا مأمولا باسم الإله كذا على دين الرسول ضموا الرفات ولا أريد عويلا استغفروا لأخيكمُ وكذا اطلبوا تثبيته فعسى يحوز قبولا مالي يقسم قسمة شرعية يا وارثي فنفذوا ما قيلا والثلث للفقراء قدر جائز إن تفعلوا كان الثواب جميلا يا من أخذتم للسرادق محفلاً من أجلكم كان العذاب وبيلا وكذا الولائم فاتركوها واجعلوا حبل الصلاة بربكم موصولا وبرئت من شر ابتداع يبتغى عن سنة لا تبتغوا تحويلا. هذه هي الوصية.
ذكر وصية أبي بكر الصديق ووصية الحجاج بن يوسف والمقارنة بينهما
تعال الآن ننظر في وصيتين: وصية سيدنا أبي بكر ، ووصية الحجاج بن يوسف، ونقارن بين كلام هذا وكلام هذا. لما شعر أبو بكر بدنو الأجل قالوا له: يا أبا بكر أفلا نطلب لك الطبيب؟ قال: قد جاء، قالوا: وماذا قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. ثم قال: نادوا عمر بن الخطاب ، وبعد ذلك كتب: هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة ولم يكتب هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق ولا سيادة اللواء فلان أو المستشار فلان أو الدكتور فلان، لا، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة. وهذا أبو الحسن الشاذلي رحمه الله لما مات ورآه تلميذه في الرؤيا قال له: ماذا صنع الله بك؟ قال له: راحت تلك الإشارات، وضاعت تلك العبارات، وتاهت هذه الألقاب، وما نفعنا إلا ركيعات صليناها في جوف الليل والناس نيام. فسيدنا أبو بكر قال: هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وفي أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، أني أولي من بعدي فأخذته لحظة من الغيبوبة، والذي كان يكتب هو عثمان بن عفان ، ولو كان غير عثمان لكتبها لنفسه، لكنه كتب عمر بن الخطاب ، فرجع إلى أبي بكر عقله وفاق من غيبوته فقال: رد علي ما كتبت يا عثمان ، قال عثمان : كتبت: إني أولي عليكم من بعدي عمر بن الخطاب قال أبو بكر : عجباً أوحي بعد رسول الله؟! فكان عمر هو الذي أراد أبو بكر أن يوليه الخلافة من بعده، وبعد أن كتب عثمان الوصية أمره أبو بكر أن يخرج إلى المسجد ويقرأ على المسلمين وصية أبي بكر، فقرأ عثمان على المسلمين ما أملاه عليه أبو بكر ، فأقام بعض الناس ببلبلة وقالوا: إن عمر كان عنيداً علينا والرسول صلى الله عليه وسلم بيننا، وكان عنيداً علينا و أبو بكر بيننا، فما بالك لو صار الأمر إليه. ماذا سيعمل بنا؟! فدخل عثمان ونقل رأي الشعب للخليفة، وأنهم معترضون، فقال سيدنا أبو بكر : أجلسوني، فلما جلس قال: أتخوفونني بالله؟ إن سألني الله يوم القيامة وقال لي: يا أبا بكر من تركت على عيالي؟ أقول: يا رب، تركت على أهلك خير أهلك، تركت عليهم من قال فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم: (عش حميداً، والبس جديداً، ومت شهيداً)، وقال فيه: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر بن الخطاب) وقال فيه: (لو كان بعدي نبي لكان عمر)، وقال: (الحق بعدي ما كان عليه عمر)، وقال فيه: (ما رآك الشيطان سالكاً في طريق يا عمر إلا وسلك طريقاً آخر) . كل هذا ولا تريدون أن أجعل الخلافة لـعمر بن الخطاب! فاقتنع الحاضرون بغير قهر. ثم قال: يا عمر ، إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله في الليل، وإن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقل عليهم ذلك، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخف عليهم ذلك، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف يوم القيامة، ثم قال: ألم تر يا ابن الخطاب أن الله أنزل آية الرجاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرجاء؛ لكي يكون العبد راغباً راهباً يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يتمنى على الله غير الحق، فإن أنت حفظت وصيتي، فلا يكونن غائب عليك أحب من الموت، وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت. ثم ننتقل إلى الحجاج، لقد مات في سجن الحجاج (90000) مسلم، وقتل (14000) مسلم بدون جريرة، وتعال إلى حالة الحجاج عند موته؛ من أجل أن تتعظ إن كنت تريد أن تموت مثل موت أبي بكر الصديق أو مثل موت الحجاج والعياذ بالله ولا أحد يريد أن يكون هكذا. نظر الحجاج إلى السماء عند موته وقال: إن ذنبي وزن السماوات والأرض وظني بربي أن يحابي فلئن منّ بالرضا فهو ظني ولأن مر بالكتاب عذابي لم يكن منه ذاك ظلماً وبغياً وهل يهضم رب يرجى لحسن الثواب؟ وكتب آخر كلام له للوليد بن عبد الملك يقول له: قد كنت أرعى غنمك، وأحوطها حياطة الناصح الشفيق برعية مولاه، فجاء الأسد -قصده بالأسد ملك الموت- فبطش بالراعي ومزق المرعى، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيوب الصابر، وأرجو أن يكون الجبار أراد بعبده غفراناً لخطاياه، وتكفيراً لما حمل من ذنوبه. إذا ما لقيت الله عني راضياً فإن شفاء النفس مما هنالك فحسبي بقاء الله من كل ميت وحسبي حياة الله من كل هالك لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ونحن نذوق الموت من بعد ذلك فإن مت فاذكرني بذكر محبب فقد كان جماً في رضاك مسالكي وإلا ففي دبر الصلاة بدعوة يلقى بها المسجون في نار مالك عليك سلام الله حياً وميتاً ومن بعدما تحيا عتيقاً لمالك ودخل عليه يعلى بن منذر المجاشعي قال: يا حجاج كيف حالك؟! قال: غماً شديداً، وجهداً جهيداً، وألماً مضيضاً، ونزعاً جريباً، وسفراً طويلاً، وزاداً قليلاً، فويلي إن لم يرحمني الجبار، قال يعلى : يا حجاج ! إنما يرحم الله من عباده الرحماء الكرماء، أشهد أنك قرين فرعون وهامان ؛ لسوء سيرتك، وترك ملتك، وتنكبك عن قصد الحق وسنن المحجة وآثار الصالحين، قتلت صالحي الناس فأفنيتهم، وأطعت المخلوق في معصية الخالق، وأرقت الدماء، وضربت الأبشار، وهتكت الأستار، وسست سياسة متكبر جبار، لا الدين أبقيت، ولا الدنيا أدركت، أعززت بني مروان، وأذللت نفسك، وعمرت دورهم، وأخربت دارك، فاليوم لا ينجونك ولا يغيثونك إن لم يكن في هذا اليوم ولا ما بعده، لقد كنت لهذه الأمة هماً وغماً، وعياء وبلاء، فالحمد لله الذي أراحها بموتك، وأعطاها مناها بخزيك، وخرجت روح الحجاج . يا إخواننا، هذه طريق الصالحين طريق أبي بكر ، وهذه طريق المتجبرين؛ طريق الحجاج . نسأل الله أن يجعل طريقنا طريق الصالحين. اللهم أحسن لنا خاتمتنا في الأمور كلها. اللهم توفنا على الإسلام. اللهم ألحقنا بالصالحين، وارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً. اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا. اللهم أحينا إن كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيراً، وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منقول ح 3
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:19 PM   #4
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة الرابعة


سلسلة الدار الآخرة_موجبات عذاب القبر
الدكتور / عمر عبد الكافى

عذاب القبر من أشد ما يقع فيه المذنب، فهي أوقات عصيبة، ولحظات مخيفة، وأهوال ومصاعب، وكروب ومصائب، لا ينجو من آلامه إلا من عمل عملاً صائباً، وكان دائم الأوبة وإلى ربه تائباً. لعذاب القبر مسببات تقود صاحبها لتوقعه فيه، ذكرها الله في كتابه وبينها الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته، فالفائز من تجنبها، والخائب من وقع فيها.
رحلة الإنسان إلى قبره
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده. وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فهذه بمشيئة الله عز وجل: هي الحلقة الرابعة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، وهي الحلقة التي تخص الأسباب الموجبة لعذاب القبر، والأسباب المنجية من عذاب القبر. فاللهم نجنا من عذاب القبر يا رب العالمين! واجعل هذه الجلسات خالصة لوجهك الكريم. اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا. اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله. واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: تحدثنا في الحلقة السابقة عن الوصية التي يجب أن يكتبها المسلم، وقلنا: إن من لم يكتب وصيته قبل أن يموت فلن يؤذن له بالحديث مع أهل القبور، ومن لم يكتب وصيته قبل أن يموت فسيحاول أن يكلم الناس يوم القيامة ولن يكلموه؛ لأن الملائكة سوف تخبر الناس أن هذا قد مات ولم يكتب وصيته. إذاً فكتابة الوصية أمر بمنتهى الأهمية، وكتابة الوصية أمر يجب ألّا يغفله المسلم، ويستوي في هذا من عنده مال ومن ليس عنده مال، فهي وصية لا تخص المال في كثير الأمر ولا قليله، ولكن الوصية تخص كيفية الغسل، والبراءة من أي شيء يقال في الشرع الحكيم في قليل الأمر أو كثيره: من مسألة الدفن، واستقدام من يأتي ليقرأ على الميت سواء على القبر أو في البيت، أو الكلام الفارغ من المسلمين، وما زالت قلة الأدب سارية بني المسلمين في بدع الجنائز، من ذبح أمام النعش، إلى المغالاة في الكفن، والإتيان ببعض الناس من أجل قراءة ختمة أو ما يسمى بالعتاقة، كل هذه بدع لم يأذن الله بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن مسألة دواوين العزاء، والمقرئين المحترفين الذين ليس لهم عمل إلا أنهم يبتزوا أموال الناس تحت عنوان قراءة القرآن، وكل واحد يظن أن هذا القرآن يصل إلى الميت، وهذا غير صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) وتجد مثل هذه المناسبات للأسف الشديد في المساجد، وفيها من المنكرات ومن البدع ومن السرقات والبلايا ما يغضب الله عز وجل، وما لا يستطيع الإنسان حصره تحت بند واحد أو عدة بنود، ولكنها عناوين كثيرة للبدع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل. وكما قال لنا أهل العلم: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، يعني: إذا عملت السنة في أضيق الحدود أحسن لك من أن تجتهد في أمر بدعي؛ فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والعياذ بالله رب العالمين، وأهل البدع كلاب جهنم، يعني: كل مبتدع في الدنيا ويؤلف في الدين على ما يريد، فإنه يأتي ينبح على أهل النار في النار والعياذ بالله، فأنصح نفسي وأنصحكم بالبعد عن البدع جعلنا الله وإياكم من المحاربين للبدع، ولأهل البدع، ومن القائمين على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. فيأتي ملك الموت لقبض روح العبد، فيصبح الواحد منا -بعد أن كان في عداد الأحياء- صار في عداد الأموات، فيتحلل البدن ويعود إلى ما جاء منه وهي الأرض، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55]، إذاً الرجوع مرة أخرى يكون إلى الأرض التي خلقنا أو كوِّنا أو أنشئنا منها. فأول ما يدخل العبد القبر إذا كان -والعياذ بالله- عاصٍ، فإن القبر يقول له: (لقد كنت فرحاً وأنت على ظهري، فسوف تصير اليوم حزيناً وأنت في بطني، كم أكلت وأنت على ظهري من الألوان) أي: ألوان الطعام والشراب، (فاليوم يأكلك الدود في وأنت في بطني، لقد كنت تسير على ظهري -في الدنيا- وأنت أبغض عباد الله إلي، فاليوم ترى صنيعي بك)، ويضمه القبر ضمة تختلف فيها أضلاعه والعياذ بالله. وإذا كان العبد صالحاً فإن القبر يقول له: (يا عبد الله! لقد كنت أحب عباد الله إلي وأنت على ظهري، فسوف ترى صنيعي بك، فينفتح له القبر مد البصر، فيرى مقعده من الجنة) اللهم اجعلنا منهم يا رب العباد، واختم لنا بخير، آمين يا رب العالمين، ولا تجعل الدنيا ولا الشيطان ولا الأولاد يلهونا عن عبادتك يا رب العالمين. فعندما ينتزع ملك الموت الروح، ويحملك أهلك على الأكتاف، هنا انتهت المسألة كلها، فإن كنت في الدنيا تعادي وتحارب وترفع قضايا، تختلس وتناقض وتكذب وتنحرف، فقد جاءك من لا مهرب منه ولا انفكاك. وهنا يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24]، يا ليت الدنيا ما غرتني، ولا الأولاد، ولا الزوجة التي كانت تكلفني فوق الطاقة، ولا أخي وأختي وخالي وعمي الذين قاطعتهم من أجل الشيطان الذي غرني وقطعني عن أهلي وعن أحبابي، وعن أقاربي وعن إخواني، وعن كل من أمرني ربي أن أصله. وقد يضيق صدرك بأمور شتى: أمور العيال، وقلة ذات اليد، وغيرها من الهموم، وما من هم أنزلته بالله إلا وزال؛ لأنك أنزلته بمن يقول للشيء كن فيكون، وإذا أنزلت الهم بالناس ما زادك الناس إلا غماً وهماً. لكن إن أنزلت الأمر بالله زال، قل: اللهم اشرح لي صدري، رب يسر لي أمري، رب وفقني، رب أذهب عني بلايا الدنيا وابتلاءاتها، فربنا أقرب إليك من حبل الوريد، ولعلكم تذكرون شوقي أمير الشعراء لما كان يخاطب الذين يرفعون الأثقال فيقول: إن الذي خلق الحديد وبأسه جعل الحديد لساعديك ذليلا زحزحته فتخاذلت أجلاده وطرحته أرضاً فصل صليلا لمَ لا يلين لك الحديد ولم تزل تتلو عليه وتقرأ التنزيلا؟ قل لي نصير وأنت بر صادق أحملت إنساناً عليك ثقيلا أحملت ديناً في حياتك مرة أحملت يوماً في الضلوع غليلا؟ أحملت في النادي الغبي إذا التقى من مادحيه الحمد والتبجيلا أحملت مناً بالنهار مكرراً والليل من مُسدٍ إليك جميلا تلك الحياة وهذه أثقالها وُزِنَ الحديد بها فعاد ضئيلا فكل هموم الحياة عندما يوزن الحديد بها فإن الحديد يصبح خفيفاً، وما أثقل صحبة الثقلاء! وصحبة البعيدين عن رحمة الله عز وجل، ولذلك المؤمن عندما تصاحبه فإنه كالنحلة، إن أكل أكل طيباً، وإن أطعم أطعم طيباً، وإن وقف على عود لا يخدشه ولا يكسره. مات منصور بن عبد الله، وهو أحد تابعي التابعين وهو رجل صالح، فرآه ابنه في المنام، فقال له: أبت ماذا صنع الله بك؟ قال: يا بني! سألني: يا منصور ! بم جئت؟ يا رب جئتك بست وثلاثين حجة، قال: ما قبلت واحدة منها، ثم قال له: بم جئتني يا منصور ؟! قال: جئتك بثلاثة آلاف وستين ختمة، قال: ما قبلت واحدة منها. ثم قال له: يا منصور ! بم جئتني؟ قال: يا رب! جئتك بك، قال: لقد جئتني فغفرت لك. لا إله إلا أنت صاحب الفضل، إن قبل فتكرماً، وإن رد فعدلاً؛ لأن ربنا لو تكرم علينا وغفر لنا فإن ذلك بكرمه، يا كريم! أكرمنا يا رب العباد! وسيدنا عطاء بن أبي رباح لما أفاض من عرفات أخذته سنة عند المشعر الحرام قبل الفجر، فرأى في المنام ملكين يقول أحدهما للآخر: كم حج البيت هذا العام؟ أي: كم عدد الحجاج؟ فقال له: ستمائة ألف، قال له: وكم قبل ربنا منهم؟ قال له: ما قبل إلا من ستة، فقام سيدنا عطاء مرعوباً، ونحن للأسف الشديد لو أحدنا رأى الرؤيا هذه فإنه يمني نفسه ويقول: أنا من الستة، والصالح من اتهم نفسه، فما يزال الرجل يتعلم ويتعلم، فإن ظن أنه علم فقد بدأ يجهل. فقام سيدنا عطاء مرعوباً من الرؤيا فقال لمن حوله من الناس، وكان حوله كثير من الناس: ألحوا على الله بالدعاء في أيام الحج، اجئروا إلى الله بالدعاء. وفي آخر يوم في منى أخذته سنة من النوم، فلقي نفس الملكين وكان أحدهما يقول للآخر: كم حج البيت هذا العام؟ فقال له: ستمائة ألف، قال له: وكم قبل الله منهم؟ قال له: ما قبل الله إلا ستة، قال له: لكن هذا قليل! قال: لكن ربنا الكريم أعطى مع كل واحد من الستة مائة ألف. والسماء لم تبك على الكافر الفاجر المجرم، ولن يدخل الجنة حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، فلو أن الجمل دخل في خرم الإبرة فإن الكافر حينئذ سيدخل الجنة، والقضية أن الجمل لن يدخل في ثقب الإبرة إذاً فلن يدخل الكافر الجنة. إذاً فالذنوب نوعان: نوع ستحاسب عليه في القبر، ونوع ستحاسب عليه أمام الله يوم القيامة، فإما أن يعفو الله عنك تكرماً وتعطفاً ومنة وفضلاً منه، وإما أن يأخذك بجريرتك فيحاسب على صغير الأمر وكبيره. فالصحابي الذي استشهد في إحدى الغزوات كان الصحابة يقولون له: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله! وكان أحد خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لو ترون ما أرى لرأيتم قبره وقد اشتعل عليه ناراً، فقالوا: لماذا يا رسول؟! قال: من أجل شملة قد غلها بدون وجه حق) يعني: وهو يحارب، وبعدما انتصر المسلمون أخذ شملة -مع أن الجندي له جزء من الغنائم- لكن أخذه بدون إذن القائد أو الموزع، أو بدون إذن حبيب الله صلى الله عليه وسلم، فلما غل الشملة بدون وجه حق اشتعل القبر عليه ناراً. قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]، والغُل هو الطوق الذي يوضع في الرقبة والغُل غير الغِل، فالغِل هو الحقد أو الفوران النفسي نتيجة الغضب، وهذا غير الغ……
أسباب عذاب القبر
التثاقل عن الصلاة المكتوبة
أول سبب من أسباب عذاب القبر: التثاقل عن الصلاة المكتوبة، وبالذات صلاة الصبح، وعقاب مثل هذا في القبر -والعياذ بالله- أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن الملائكة تأتي بإنسان وتضرب رأسه بالحجارة، فيتفتت الرأس، ويتقسم أجزاء ويتكسر، فيجمع الله رأسه مرة أخرى، فيفعلون به كما فعلوا في المرة الأولى، ويظل هكذا إلى قيام الساعة، فهذا عقاب المسلم الذي يدعي الإسلام، ولكن عندما يسمع الأذان يتثاقل قليلاً، فبينما هو في هذا الضلال إذ مات وهو على هذا الضلال، فيبعث يوم القيامة وهو على هذه الحال، هذا جزاء من يؤخر الصلاة فقط، وليس معناه أنه لا يصلي. قال صلى الله عليه وسلم وهو يصف المنافقين: (يقعد أحدهم حتى توشك الشمس أن تسقط فيقوم ليصلي) صلاة العصر، أي: أنه يؤخر الصلاة إلى أن تكاد الشمس تغرب. والصلاة في أول الوقت رضوان، وفي أوسطه رحمة، وفي آخره مغفرة، وهذا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت هي ذنب يحتاج للمغفرة، وللأسف أن المسلمين يقولون: إن العشاء وقتها ممدود، وهذا خطأ، فإن صلاة الوتر هي التي وقتها ممدود، فيجب علي أن أصلي العشاء في وقتها وأما الوتر فتأخيره لا بأس به. إذاً التثاقل عن الصلاة المكتوبة من موجبات عذاب القبر، وما أجمل أن يقوم الإنسان إلى صلاة الصبح -أي: صلاة الفجر- فيوقظ زوجته للصلاة، فإن لم تستجب له يقوم بسكب ماء على وجهها. فقد جاء في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: (رحم الله رجلاً أيقظ زوجته لصلاة الفجر -أو الصبح-، فن لم تستيقظ نضح في وجهها الماء البارد، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها لصلاة الصبح، فإن لم يستيقظ نضحت في وجهه الماء البارد فاستيقظ).
الكذب
السبب الثاني: الكذب، وأنا -والله أعلم- أستطيع أن أقول أن ثمانية وتسعين بالمائة من المسلمين كذابون، وليس في الإسلام ما يسمى بالكذبة البيضاء، فهذه كلها مسميات باطلة، وهناك من يطلق بعض التسميات على الأشياء المحرمة، فمنهم من يقول: إن هناك كذبة بيضاء، وأخرى سوداء وكلاهما كذب محرم، ويطلقون على الخمر المحرم مشروبات روحية، ويطلق على الخلاعة وقلة الأدب والرقص والباليه الذي تكون البنت فيه عريانة كما ولدتها أمها، ولا يستر إلا شيء يسير من الجسم، يطلق عليه فن، وهذا كله من أبطل الباطل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا وقال: (سوف يأتي زمان على أمتي يسمون الحرام بغير اسمها). فيقومون بتغيير المسميات فيسمون الربا فوائد واستثمار وأرباح، وفي الحقيقة هي خسائر ومصائب. ولا يباح الكذب إلا في مواطن حددها الشرع الشريف. فالكذب يباح في الإصلاح بين المتخاصمين، والكذب في الحرب، وكذب الرجل على زوجته ليصلح من شأنها، وهذا كله ليس بكذب. وكان الكذب مذموماً عند السلف وإن كان كذباً على الحيوان، فقد روي عن أحد المحدثين أنه ذهب إلى محدث آخر يريد أن يأخذ الحديث عنه، فوجده يشير إلى ناقته بجمرة فيوهمها أن في حجره طعاماً حتى تتبعه، فسأله قائلاً: أفي حجرك شيء؟ قال: لا، فقال: إن كنت ستكذب على الناقة فلن تستحي أن تكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفض أن يأخذ الحديث عنه. والكذب نجده منتشراً بكثرة في هذه الأيام سواء في الأسرة بأن تكذب الأم على أبنائها، أو على مستوى المجتمع، فإن المسلسلات كلها مبنية على الكذب، وما يحدث فيها من زواج وعقد وغيرها وهذه من الثلاث التي جدهن جد وهزلهن جد، وسيحاسب من يقومون بهذا يوم القيامة على هذه الكذبات. إذاً: ثاني سبب من موجبات عذاب القبر: الكذب بكل أشكاله.

أكل الربا
السبب الثالث: أكل الربا، وهذا من موجبات العذاب في القبر ويوم القيامة، وقد رأى سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم رجالاً يسبحون في أنهار الدم، فقال: (من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا)، وقد جاء في حديث آخر: (درهم واحد أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) وإذا كان المجتمع بأكمله يقوم على نظام الربا، فما هو الحل؟! نسأل الله الرحمة. وقال عليه الصلاة والسلام: (سوف يأتي زمان على أمتي من لم يتعامل منهم بالربا أصابه غباره)، أي: شيء من آثاره، فمرتبك -على سبيل المثل- داخل فيه جزء من ضريبة الملاهي وضريبة الخمور، وهذا كله من الربا. ولن أخوض كثيراً في الحديث عن الربا؛ لأن الحديث عنه يدمي قلبي، ولكن ندعو الله سبحانه أن يتوب علينا وعليكم من الربا صغيره وكبيره، قليله وكثيره.
من تظهر شعرها للأجنبي
من موجبات عذاب القبر: من ترى شعرها أجنبياً، والأجنبي كل من يحل له أن يتزوج بها، حتى وإن كانت متزوجة، بمعنى: أن ابن عمها وابن خالها وابن خالتها وجارها وابن جارها وصاحب البيت والبواب والسواق والطباخ وموظف الكهرباء والزبال، كل هؤلاء لا يحل للمرأة أن تظهر لهم شعرها، فإذا أظهرت لهم شعرها عذبت في القبر ثم علقت في جهنم من شعرها يوم القيامة، وهذا كذلك ذنب من الذنوب التي توجب العذاب، نسأل الله أن يتوب على كل العرايا في مصر وفي غير مصر من دول الإسلام، ونسأل الله أن يرحمنا من غضبه، وأن يرسل علينا رحمته وهدايته لنا ولنسائنا وبناتنا، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. والكارثة أن الغيره تجدها عند الحيوانات، بينما تنعدم في بعض الناس، وهذا غير مقبول. وهذه المرأة تستحق العذاب في القبر إذا كان شعرها مكشوفاً فمن باب أولى من كانت عارية والعياذ بالله.
كنز الذهب والفضة
ومن الموجبات لعذاب القبر: كنز الذهب والفضة، والذي لا يؤدي زكاة ماله، والذي لا يراعي حق ربنا في الزكاة، وعقاباً أن يأتيه ثعبان أخبر الحبيب عنه فقال: (ثعبان أقرع له زبيبة) فيعذبه على عدم إخراجه للزكاة. وأخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام عما يوجب العذاب فقال: (يا معشر النساء أكثرن من الصدقة؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قلن: ولم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير)، فالتي تؤذي زوجها بلسانها تتعرض للسخط الإلهي. وقد جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من باتت وزوجها غضبان عليها باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح أو حتى تنزع) أي: حتى تسترضيه، وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة: الولود الودود، التي إن غضبت من زوجها أو غضب منها زوجها دخلت عليه حجرته وصافحته وقالت: لن أذوق غمضاً حتى ترضى عني، هي في الجنة، هي في الجنة، هي في الجنة). وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يوصي النساء من أهل بيته فيقول لإحداهن: يا بنيتي هذا جنتك أو نارك، إن أطعتيه ستدخلي الجنة -أي: في طاعة الله-، وإن عصيتيه ستدخلي جهنم، إلى درجة أنه وصل الأمر أن يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من طلب زوجته -لحقه الشرعي- وهي على قتب -أي: فوق ظهر جمل- فمنعت نفسها منه باتت الملائكة تلعنها)، وويل لمن تلعنه الملائكة، فيجب على المرأة أن تتجنب إيذاء زوجها بلسانها، وإن تقدر ظروف حياته ولا تحمله فوق طاقته. وقد تحمِّل المرأة الزوج فوق الطاقة سواءً المادية أو المعنوية، وهذا مثله مثل القتل فإنه نوعان: قتل مادي وقتل معنوي، فالقتل المادي: أن يُضرب واحد بحديدة فيقتل، أو يدوسه بسيارة، أو يضربه بمسدس. وأما ثاني نوعي القتل: أن أدخل الاكتئاب والحزن على مسلم أو مسلمة من المسلمين حتى يموت كمداً، بمعنى: الإساءة، فهناك أشخاص ليلاً ونهاراً وهم تحت رقابة أهاليهم حتى يموت كمداً، وهذا يحاسب على أنه قاتل يوم القيامة، ومثله مثل الموظف الذي يعاند موظفاً مسكيناً، فيضغط عليه إلى أن يخرجه من العمل. إذاً من أنوع وأسباب موجبات عذاب القبر -والعياذ بالله-: من تؤذي جيرانها بلسانها، وتحمل زوجها فوق طاقته، وتؤذي زوجها أيضاً بلسانها، ولنسائنا في الصحابيات أسوة حسنة، فإن الواحدة منهن تقول لزوجها بالليل: ألك حاجة؟ يقول: جزاك الله خيراً! تقول: أتدعني أصلي لربي الليلة؟ فتستأذنه أن تتنفل وتتهجد لله. ويجب على الزوجة من أجل أن تصوم الإثنين أو الخميس أن تستأذن من الزوج، فإنه يوجد أزواج يتضررون من صيام زوجاتهم الإثنين والخميس.
أكل مال اليتيم
ومن الأسباب الموجبة لعذاب القبر: أكل مال اليتيم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)، وما قصص القتل التي نسمعها: أن الولد قتل خاله أو قتل عمه الذي كان كفيلاً له ووصياً عليه بعد موت أبيه إلا دليل على أن الوصي هذا أساء إلى اليتيم، ولن يقتل اليتيم كافله إلا بسبب معاناة شديدة عاناها معه. والمرأة التي تترمل على أبنائها الأيتام وترفض الزواج مع أن هذا من حقها، أجرها كبير، فالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أول من يفتح له باب الجنة، فإن رضوان يقول: لم يؤذن لي أن أفتح لأحد قبل رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: (فأجد امرأة تريد أن تسبقني، فأسألها: يا أمة الله؟! فتقول: إنها امرأة مات زوجها وترك لها يتامى فقعدت عليهم) فيدخلها الرسول معه. ولا يصح للإنسان أن يأكل شيئاً من أموال الورثة الأيتام، فقد كان سيدنا عمر قاعداً عند صحابي يحتضر، فعندما فاضت روحه قام سيدنا عمر فأطفأ النور، فقال له: يا أمير المؤمنين! لم ذاك؟ قال: صار للورثة حق في هذا الزيت، أتريدون أن تطعمونا ناراً يوم القيامة؟ فأقارب الميت الذين يجلسون بحجة أنهم يواسون زوجة الميت فيأكلون ويشربون من أموال اليتامى، فهم لا يأكلون إلا النار، وسيعذبون بذلك في القبر ويوم القيامة. فأكل مال اليتيم -والعياذ بالله رب العالمين- من الأسباب الموجبة لعذاب القبر، فليتق الله ربه من كفل يتيماً من الأيتام، وليتق الله ربه من كان في رقبته أيتام يتولى الإنفاق عليهم، قال تعالى لأمثال هؤلاء: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6].
قطع الطريق
ومن موجبات عذاب القبر وعذاب جهنم يوم القيامة: قطع الطريق، وقاطع الطريق هو الذي يقطع على الناس الطريق في الليل أو في غيره، ولا بد من إقامة الحد على أمثال هؤلاء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لحد واحد يقام في الأرض خير لأمتي من مطر سبعين عاماً)، وحد وجزاء قاطع الطريق أن تقطع يده ورجله من خلاف -يعني: ذراعه اليمين مع رجله الشمال- أو يصلب، أو ينفى من الأرض، وهذا عقاب قاطع الطريق والذي يطلق عليه حد الحرابة، وقس عليه مروِّج المخدرات الذي يجلب أنواع المخدرات، فكل هؤلاء يجب أن يطبق عليهم حد الحرابة؛ لأن هؤلاء من المفسدين في الأرض. والغريب ألا تقوم السلطات بإقامة الحد على أمثالهم، وإنما يقومون بإدخاله السجن، فيكتسب فترة دخوله السجن مهارات أخرى من فنون السرقة وقطع الطريق.
خطباء الفتنة
ومن موجبات عذاب القبر: خطباء الفتنة الذين يثيرون النعرات القبلية، ويألبون الناس ضد بعضهم، الخطباء المروجون لكل شر، فخلقوا النزاعات بين الناس، وأصبحنا كأننا في عالم الغابة مرة أخرى، وقد كان الصحابي يضع التمرة في فم أخيه فيجد حلاوتها في فمه. وكل هذه الأعمال التي يقوم بها بعض الخطباء لن تنفعهم يوم القيامة، ولن ينفعهم في القبر ما عملوه وما نافقوه وما صنعوه. وقد وصف أحد الحكماء حال الإنسان منذ أن يموت إلى أن يدخل القبر، وهو أبو العتاهية فقال: وكأنْ بالمرء قد يبـ ـكي عليه أقربوه وكأن القوم قد قا موا فقالوا: أدركوه سائلوه كلموه حركوه لقنوه فإذا استيأس منه الـ ـقوم قالوا حرفوه حرفوه وجهوه مددوه غمضوه عجلوه لرحيل عجلوا لا تحبسوه ارفعوه غسلوه كفنوه حنطوه وإذا ما لُفَّ في الأكـ ـفان قالوا فاحملوه أخرجوه فوق أعوا د المنايا شيعوه فإذا صلوا عليه قيل هاتوا واقبروه فإذا ما استودعوه الـ ـلأرض رهناً تركوه خلَّفوه تحت ردم أوقروه أثقلوه أبعدوه أسحقوه أوحدوه أفردوه ودعوه فارقوه أمسكوه خلَّفوه وانثنوا عنه وخلَّوه كأن لم يعرفوه وقال أبو العتاهية أيضاً وهو في لحظات الاحتضار أو الموت: كأن الأرض قد طويت عليا وقد أخرجت مما في يديّا كأني يوم يُحثى الترب قومي مهيلاً لم أكن في الناس شيا كأن القوم قد دفنوا وولوا وكلٌ غير ملتفتٍ إليا كأني صرت منفرداً وحيداً ومرتهناً هناك بما لديّا كأن الباكيات علي يوماً وما يغني البكاء علي شيّا ذكرت منيتي فبكيت نفسي ألا أسعد أُخيَّك يا أُخيّا ألا من لي بأنسك يا أخيا ومن لي أن أبثك ما لديا ثم قال: أشهد أن لا إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وفاضت روحه. وهذا يدل على أن تاريخ حياته كان خيراً، فيختم له بخير، اللهم أحسن خاتمتنا يا رب العالمين.
الهمز والغمز واللمز
ومن موجبات عذاب القبر: الهمز والغمز واللمز، يقول تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، والهماز هو الذي يهمز الناس، واللماز هو الذي يلمز الناس، والغماز الذي يتغامز على الناس، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31] أي: فرحين؛ لأنهم يتغامزون على الذين آمنوا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]. نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، فربنا عندما يعطيك شيئاً من الإيمانيات ثم ينزعه منك فهذا أمر سيء. اللهم أكرمنا ولا تهنا يا رب العالمين.
الخوف من المخلوق وعدم الخوف من الخالق
من ضمن موجبات عذاب القبر: الخوف من المخلوق وعدم الخوف من الخالق، وأغلبنا للأسف يخاف من المخلوق ولا يخاف من الخالق، فالمرتكب للكبيرة دائم الخوف من المخلوقين، فمثلاً: الذي يرتكب كبيرة من الكبائر في مكان لا يراه فيه أحد، فلو أن جرس المكان الذي هو فيه رن فإن قلبه يكاد يختلع خوفاً، فمثل هذا خاف من المخلوق، والله يرى الإنسان من أول المعصية وهو الخالق، فيكون بذلك قد خاف من المخلوق ولم يخف من الخالق، واستعظم أمر المخلوق واستقل من أمر الخالق، ومن قلة الأدب أن الإنسان يخاف من عبد لا يملك لنفسه فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً، ولا يخاف من الخالق، وهذا أمر خطير. قال أهل العلم: اهتزاز قلبك عندما اهتز الستر الذي بينك وبين الناس أثناء ارتكاب المعصية، ولم يهتز قلبك خوفاً من الخالق سبحانه دليل على انطماس البصيرة. ومن خاف من الخالق أخاف الله منه المخلوقات كلها، فهذا سيدنا سهل بن عبد الله أحد الصالحين، كان في الجبل يحتطب، فأخذ حزمة من الحطب وأراد أن يضعها على حماره، فوجد الأسد قد قتل الحمار وأخذ يأكل منه، فسجد لله ودعا قائلاً: وعزتك وجلالك! لن أحمل حطبي إلا فوق من أكل حماري، فجاء الأسد إلى سهل بن عبد الله وكأنه كلب معلم، فوضع الحطب عليه وعاد إلى البيت، فاستغرب الناس من منظر الأسد والحطب فوقه، فقال سهل : نحن قوم نخاف من الخالق فطوع لنا المخلوقات كلها. فالمخلوقات صارت مطوعة له؛ لأنه يخاف من الخالق، ولذلك فإن المسلم إذا خاف من الخالق فإن الكل يحترمه ويحبه ويخاف منه، ومن اتقى الله أحبه الناس شاءوا أم أبوا. ويدخل تحت ذلك من موجبات عذاب القبر: من يقدم كلام المخلوق على كلام الخالق، بمعنى أنه يصدق الحالف بغير الله ولا يصدق الحالف بالله، والمؤمن لا يتلاعب بالأيمان، وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة:224]، فلا يكثر الإنسان من الحلف؛ لأن كثير الحلف يعرف أنه كذاب، قال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10]، وكأن الحلاف يهون عند الله بسبب كثرة أيمانه. ولذلك إخوة يوسف عندما كانوا كذابين أكثروا من الحلف، ولما كانوا صادقين ما حلفوا، قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]؛ لأن ما خرج من القلب وصل إلى القلب. وعندما كانوا صادقين في المرة الثانية، قال لهم: أخوهم الكبير: ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [يوسف:81]، وفي قراءة: إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف:81-82]، فهنا معهم شهود، لكن في المرة الأولى قال: فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:17]، إذاً القرآن يعطينا حقائق غريبة. فمن يقدم كلام الخالق على كلام المخلوق، ومن يصدق كلام المخلوق ويكذب الحلف بالله عز وجل، ومن لا يتأثر بآيات القرآن ويتأثر بمزامير الشيطان من أغاني وغيرها من أنواع الطرب فإن هذا موجب لعذاب الله في القبر.

خيانة الأمانة
من ضمن موجبات عذاب القبر: خيانة الأمانة، فالوضوء أمانة، والصلاة أمانة، فعندما لا يتم الإنسان الصلاة في وقتها فهو خائن للأمانة، والوظيفة أمانة، ومعاملة الزوجة بما يرضي الله أمانة، ومعاملة الزوجة لزوجها بما يرضي الله أمانة، فإن قصَّر الإنسان في شيء فهو خائن للأمانة. فالمرأة التي تقوم بإخراج أسرار البيت إلى الخارج، والرجل الذي يقوم بإخراج أسرار البيت إلى الخارج، هذا فيه خيانة للأمانة، ومن ذلك أن يضع الإنسان مبلغاً من المال عند آخر فيضيعه، ومن يأتمنك على سر فتقوم بإفشائه فهذا من الخيانة. فالموضوع كبير وخطر وقد تصيبنا الابتلاءات بسبب ذنوبنا التي لا ندري عنها، فيجب على كل واحد أن يراجع حساباته ويتوب؛ عسى الله أن يتوب علينا وعليه.
الفحش والبذاءة
ومن موجبات العذاب: فحش اللسان وبذاءته، وهذه من الكوارث والبلايا الموجودة في المسلمين والمسلمات، ولو تكلم الواحد كلمة بذيئة واحدة فإن الملائكة تبتعد عنه ميلين، قائلة له: ما أنتن الرائحة التي خرجت من فمك! وريحتك قذرة، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما مر على جثة أو رمة كلب أسود منتنة، وكان معه جماعة من الحواريين فقال أحدهم: ما أقبح لون هذا الكلب! وما أنتن رائحته! فقال سيدنا عيسى: ولكن ما أشد بياض أسنانه. فلا يريد أن يتكلم بشيء بذيء وإن كان على الكلب، ولذلك فإن سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم قالوا له: هذا سرق يا رسول الله! فقال: (لا تقولوا سرق، وإنما قولوا: أخذ). ومن ذلك ما قاله اليهودي: (السام عليك يا محمد! -يعني: الموت عليك- فقال: وعليكم، فقالت السيدة عائشة : وعليكم السام واللعنة، يا أبناء القردة والخنازير، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة ! المؤمن ليس بفاحش ولا بذيء ولا صخاب في الأسواق)، على الرغم من إساءتهم، قال تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63].
ارتكاب البدع
ومن ضمن موجبات عذاب القبر: ارتكاب البدع، ومن ذلك ما يقوم به جماعة من الصوفية، فيقومون بعمل حلقة يطلقون عليها: حضرة، ويريدون بذلك أن يرتقوا إلى غير ذلك من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، فمثل هذا الشيء لم يقم به الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أبو بكر ولا عمر ، ولا يعقل أن يقوم به أحدهم، فإن هذا الشيء ما جاء إلا في عصور التخلف، ولم يرد عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن تابعيهم. وهم بذلك يدّعون أنهم يتفكرون، والإسلام يدعونا إلى التفكر في جميع أمور حياتنا وفي المخلوقات التي نراها: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد:3]، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4]، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37]، وقال تعالى وهو يحث: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا [الأنعام:11]، قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا [النمل:69]، أي: تفكروا، وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190]، فكثير من آيات القرآن تدعو إلى إعمال الفكر والعقل.
القول على الله بغير علم
ومن موجبات عذاب القبر: القول على الله بدون علم، فكل واحد يفتي ويقول على الله بدون علم، فيجد الإنسان من الناس من يفتي بجواز خلع الحجاب مع أن البنت قد وصلت إلى سن النساء اللاتي ظهرت مفاتنهن، وهناك بعض الفتاوي التي ظهرت في هذه الأيام والتي تدل على أن قائلها قد أفتى بها دون علم.

الرشوة
ومن موجبات عذاب القبر والنار يوم القيامة: الرشوة، فالراشي والمرتشي والرائش كل هؤلاء في النار، كل هؤلاء في جهنم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أفلا جلس في بيت أبيه وأمه أكان يهدى إليه شيء؟)، فهدايا العمال غلول، فأي شيء يدخل على الموظف من غير مرتبه وغير متعلق في عمله فهذه رشوة، والحلال بيّن في كتاب الله، والحرام بيّن في كتاب الله إلى أن تقوم الساعة. من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد نكتفي بهذا القدر من الدرس، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، جزاكم الله خيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منقول4
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:27 PM   #5
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة الخامسة


سلسلة الدار الآخرة_المنجيات من عذاب القبر
الدكتور/ عمر عبد الكافى

تبدأ رحلة الإنسان إلى الدار الآخرة من الموت ودخوله القبر، وفي القبر يبدأ الحساب، وهناك أعمال توقع الإنسان في العذاب في القبر، كما أن هناك أعمالاً تنجيه من هذا العذاب، نسأل الله السلامة.
أهمية الأخذ بالأسباب
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: هذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة الخامسة في سلسة حديثنا في موضوع: الدار الآخرة. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا! بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ولا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، نعوذ من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، ونعوذ بك رب أن نقول زوراً، أو نغشى فجوراً، أو نكون بك من المغرورين، نعوذ بك من عضال الداء، وشماتة الأعداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجأة النقمة، ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم تب على كل عاص، واشف كل مريض، واقض دين المدينين، وفرج كرب المكروبين، واشرح كل صدر ضيق، اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، ووفقنا إلى ما تحبه وترضاه، وإن أردت عبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا نادمين ولا مبدلين، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك مسلمين موحدين يا رب العالمين! وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة الرابعة عند الحديث عن موجبات عذاب القبر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل قبورنا وقبور المسلمين والمسلمات روضة من رياض الجنة، وإن لم نكن أهلاً يا رب! لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! هناك من الذنوب ذنوب توجب عذاب القبر، وهناك من الذنوب ذنوب والعياذ بالله يعذب الإنسان عليها إذا لم يتب منها. اللهم تب علينا يا رب! والمسألة كلها مسألة توبة، والإمام الشافعي يقول: من واجب الناس أن يتوبوا، لكن ترك الذنوب أوجب فلا أحد يعتمد على عفو الله باقترافه للذنب، ولا يقل: أغلط ورحمة ربنا واسعة، فقد لا تناله رحمة الله، فربنا يرحم من يشاء، وهذه مسألة في علم الغيب، والإنسان تماماً مثل الولد الذي ينام طول السنة ويمني نفسه الأماني الكاذبة أن يكون الأول على الجمهورية، فهو مجنون، فإن أراد أن يكون الأول على الجمهورية فإنه يذاكر ليل نهار، ويجلس الليل والنهار في المذاكرة وفي العمل وفي الجد وفي الاجتهاد، وبعد ذلك يحسن الظن بالنتيجة وبالامتحان. وأما الذي ينام طول السنة ويأتي قبل الامتحان يمني نفسه الأماني الكاذبة بأن الموجهين والمدرسين كلهم سوف يأتون بامتحان سهل، وسينجحوننا كلنا، ويجعلونا كلنا أوائل فهذا غير عاقل، وهو مثل المذنب أو اللص أو السارق أو المرتشي أو المرابي أو مرتكب الفواحش أو المغتاب أو النمام، فكل هؤلاء يعملون الذنب، وأثناء ذهابهم إليه يدعون الله بالستر، وهذا سوء أدب مع الله، ثم يرجع بعد الذنب يستغفر وينوي أن يرجع مرى أخرى، وقد روي في الأثر: المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه. فالذنوب منها ما يوجب عذاب القبر فقط، ومنها ما يوجب العذاب في القبر وفي الدار الآخرة، ومن فضل الله عز وجل أن جل أو معظم عذاب الأمة المحمدية في قبورها؛ إكراماً من الله عز وجل وكرامة منه لخاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فجل العذاب سيكون إن شاء الله في القبر، لكن لا تفكر أن عذاب القبر هذا شيء سهل، أو ميسور، أو يستطيع الإنسان أن يحتمله، وإنما هو شيء فوق طاقة البشر، والثعبان في القبر إذا لدغ الإنسان فإنه يجري السم في عروقه سبعين عاماً، فالمسألة صعبة، وليست سهلة، والإنسان لا يمني نفسه الأماني الكاذبة، فإن قوماً غرتهم الأماني فقالوا: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. اللهم اجعلنا من المحسنين لأعمالهم يا رب! ومن المخلصين في أعمالهم يا رب إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. فالعبد المسلم يحسن العمل ويحسنه، وسنضرب مثالاً بسيطاً؛ لنرى كيف أننا نقصر في أعمالنا التي نعلم أن الله يطلع عليها، ويريد أن يجدنا فيها في أحسن حال، فأنت إذا صليت في المسجد وخشعت في صلاتك، فإن هذا لأحد اعتبارات ثلاثة: الاعتبار الأول: احتمال أن طبيعة صلاتك أنك خاشع فيها. اللهم اجعلنا من الخاشعين في صلاتهم يا رب! الاعتبار الثاني: أن الناس جالسين في المسجد ينظرون إليك، فلو نقرت الصلاة لنظروا إليك نظرة استخفاف. الاعتبار الثالث: أن فيك كبراً، نسأل الله السلامة؛ لأنك لا تحب أحداً يعدل عليك ويقول لك: صلاتك ليست صلاة يا أستاذ! فهذه اعتبارات ثلاثة تجعلك تخشع في الصلاة، ولكن الاعتبار الأساسي أنك تصلي لله، وما دامت الصلاة لله فاجعل في ذهنك أن الله عز وجل ناظر إليك منذ أن تكبر وإلى أن تسلم، وينادي مناد من قبل العلي الأعلى من تحت العرش: (لو يدري المصلي من يناجي لما انصرف من صلاته)، وكم من أناس سفهاء العقول بمجرد أن يحظو بلقاء مع وزير أو رئيس وزراء أو رئيس أو ملك أو مسئول أو رجل مشهور يقولون له: لو سمحت صورة، ويضعها في الألبوم، فهو يفخر أن يأخذ صورة مع أحد هؤلاء؛ حتى يظهر نفسه أنه فوق، فما بالك وأنت تخاطب العلي القدير سبحانه؟ فما دمت تعلم أن الله عز وجل ناظر إليك ومطلع عليك في كل عمل، وما دمت مقتنعاً أن الله عز وجل يراك في كل شيء فحسن عملك. اللهم حسن أعمالنا يا ربنا! ……
موجبات عذاب القبر
الكذب
من موجبات عذاب القبر الكذب، والكذب عند الله لون واحد، وهو ألوان عند المصريين المسلمين، فقد صيروا للكذب ألواناً، والمجتمع كله قائم على الكذب للأسف، وفي الحديث: (أيكون المؤمن كذاباً يا رسول الله؟! قال: كلا)، فالمؤمن قد يكون جباناً وبخيلاً، ولكنه لا يكذب، والكذب أم الكبائر مع الخمر، والكذاب لا يزال يكذب ويكذب حتى يكذب على نفسه، ثم يكذب على الله عز وجل. اللهم اجعلنا من الصادقين يا رب! وكان الحسن البصري عندما يقرأ قول الله عز وجل: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8] يقول: يأتي ربنا بالصادق يوم القيامة ويسأله عن صدقه، فيقول: يا رب! سوف تسأل الصادقين عن صدقهم فما بالنا نحن أهل الكذب؟ و الحسن هو رضيع أم سلمة، وتلميذ علي بن أبي طالب و ابن مسعود رضي الله عنهما. والصدق للأسف يظن الناس أنه ليس فيه نجاة، وأن الكذب فيه نجاة، فتكذب المرأة على زوجها إذا أمرها بعدم الخروج من البيت من غير إذن، وتقول لك: أصلاً يا أستاذ! لو صدقت فسوف يطلقني ويخرب البيت، فأنا أكذب، فيقول لها الزوج: احلفي، فتضع يدها على المصحف وتقول: أقسم بالله العظيم وحق هذا المصحف أنني لم أخرج، وهي قد خرجت، فهذا يمين غموس يغمس صاحبه في النار يوم القيامة، وليس له كفارة إلا التوبة؛ لأنها تحلف وهي مقتنعة أنها كاذبة، والعياذ بالله رب العالمين. والكذب لا ينجي، والصدق هو الذي ينجي، فإن ظننت أن الصدق فيه الهلكة فإيمانك ضعيف، والمؤمن صادق لا يعرف الكذب.
أكل الربا
ومن الذين يعذبون في القبر ويوم القيامة في النار: آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، نسأل الله أن يبعدنا وإياكم عن الربا.
كشف المرأة لبعض جسمها أمام الأجانب
وأيضاً من أظهرت شعرها للأجنبي أو رجلها أو ذراعها أو رقبتها أو جلست عند الكوافير. نسأل الله أن يقنع نسائنا بالحجاب، ولو ظهر أبو بكر مرة أخرى لحارب رجالاً يرفضون الحجاب لنسائهم، ولحارب وقاتل النساء اللاتي يرفضن الحجاب، وقلنا ولا زلنا نؤكد: إن التي ترفض الحجاب وتقول: لا يوجد شيء اسمه حجاب، هذه كافرة مرتدة عن دين الله؛ لأنها ردت أمر الله على الله، وكأنها تقول: أنا أرد عليك كلامك يا رب! ولا يوجد شيء اسمه حجاب، وهذه مثل التي تقول: لا أصلي، وأما إذا لم تحتجب المرأة أو تنتقب وقالت: أنا والله مقصرة وغلطانة وربنا يهديني فأتوب إلى الله عز وجل، فهذه مؤمنة عاصية، وإن شاء الله يتوب الله علينا وعليها وعلى المسلمين والمسلمات. وهناك فرق بين من يرفض الأمر وبين من هو مقتنع بالأمر ولكنه متكاسل في تنفيذه. وقد رأينا من تؤذي جيرانها وزوجها بلسانها، ومن تحمل زوجها فوق طاقته النفسية بعد الغلاء والعيال والجيران، فنقول للمرأة: لا تحملي زوجك فوق الطاقة، وإن ظلمك فظلمه عليه، ولا تردي الظلم بظلم وإلا كنتما معاً ظالمين يوم القيامة، فالخيرية أن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، فنحن نريد أن تعود إلى البيوت السكينة مرة ثانية، وأن يرجع الرجل إلى البيت فيجد المرأة ووجهها باسم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير ما أنعم الله به على عبده بعد أن يرزقه الإيمان به سبحانه وتعالى، أن يرزقه زوجة إذا نظر إليها سرته). وهذه هي التي قال عنها ربنا: وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:21]، أي: من نعم الله علينا، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، وهذا هو السكن النفسي، أن تسكن إلى زوجتك، وأن تكون امرأتك حبيبتك وصديقتك وصاحبتك وأختك وأمك وبنتك وأقرب الناس لك، لا تخفي عنها شيئاً؛ لأنها مريحة، وراعية لمالك وعيالك، وأنت كذلك تعاملها معاملة طيبة، فتجد منها أسلوباً سلساً وكلاماً طيباً وأدباً في الحديث وخفضاً لصوتها أمام الناس، ولا تنشر أسرارك خارج البيت، ولا تؤذيك حتى تضج منها، وتقول: ليتني ما تزوجت، والله يجازي من كان السبب، ويظل يشتكي منها. وأنا واثق إن شاء الله أن هذه الدروس من العلم سوف تؤتي الثمرة إن شاء الله عند رجالنا ونسائنا، وكما أوصي نساءنا برجالنا، فأوصي أيضاً رجالنا بنسائنا. فاللهم حسن معاملتنا أزوجاً وزوجات يا رب العالمين!
أكل مال اليتيم
ورأينا أن الله عز وجل يعذب والعياذ بالله آكل مال اليتيم.
قطع الطريق
ورأينا أيضاً قاطع الطريق، ويصدق عليه حد الحرابة؛ ليأمن الناس على بيوتهم وعلى أعراضهم، وسوف يأتي زمان قبل قيام الساعة ينتشر فيه الأمان في بلاد المسلمين، فتلعب الصبية بالحيات والعقارب، وترعى الذئاب مع الغنم، وتلعب النمور مع الأسود لا يضر هذا هذا، ولا هذا ذاك، ويترك الرجل بابه مفتوحاً ومتجره مفتوحاً؛ لانتشار الأمان، وعودة الخلافة الإسلامية مرة ثانية، وقيام شرع الله في الأرض، فاستبشروا خيراً إن شاء الله، فرغم كل هذا الضنك الذي نحن فيه ما زال هناك أمل في الله عز وجل. اللهم حول حالنا إلى أحسن حال يا رب العالمين!
إثارة الفتن
ومن المعذبين في القبر: خطباء الفتن وأصحاب الإشاعات والمولعون بها، الذين يثيرون الناس على الناس، مثل الذي يثير المستهلك على التاجر، والجهال والدولة على العلماء، والعلماء على الناس. نسأل الله أن يحسن معاملة المسلمين بعضهم مع بعض.
الهمز واللمز والغمز
الهماز واللماز والغماز الذي يغمز الناس بالكلام وبالإيذاء. نسأل الله العفو والعافية، ولقد رأيت بعض الأولاد جلوساً يضحكون على رجل كفيف، نسأل ربنا سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا وأبصارنا، ومن حرمته يا الله! من نور البصر فلا تحرمه من نور البصيرة يا رب العالمين. فمن أكبر الكبائر عند الله من كمه أعمى، أي: من يخدع أعمى حتى يوقعه حفرة مثلاً، والعياذ بالله رب العالمين.
تعذيب الحيوان
ومنها: تعذيب الحيوانات، ولسنا بحاجة إلى جمعية الرفق بالحيوان ولا غيرها، ونحن كلنا مسئولون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار الظلم الذي نراه.

الغلول
قد عرفنا كيف اشتعل القبر ناراً على من غل شملة في غزوة من الغزوات بدون وجه حق، والإنسان الذي يأخذ ورقة من مكان عمله أو أستيكة، أو قلماً، أو يركب سيارة العمل لزيارة أولاده، أو يستخدم تلفون المصلحة للأغراض الشخصية؛ لا بد أن يدفع ثمن المكالمة التي تكلمها، سواءً كان قطاعاً خاصاً أو عاماً، فإذا استخدمت هذا التلفون حتى تسلم على خالتك وعمتك وبنت أختك وبنت أخيك وقريبك وصاحبك فقد استخدمته بدون حق، مثل الذي غل الشملة على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اضطررت أنك تستخدم تلفون المصلحة فتصدق بما يوازي ثمن هذه المكالمة، أو ادفع ثمنها للجهة صاحبة الحق بوسيلة أو بأخرى، كأن تشتري ورقة دمغة أو غيرها، وهكذا الذي يركب في الأتوبيس من غير تذكرة، كأن لم يستطع أن يصل إلى مكان التذاكر من الزحمة، فعليه أن ينزل ويشتري تذكرة أتوبيس من المحطة ويقطعها ولا يركب بها، أو يتصدق بما يوازي ثمن التذكرة وإلا يكون آكلاً في بطنه ناراً يوم القيامة، وأنا أقول هذا حتى تصل الأمانة إليكم. اللهم اجعلنا من أهل الأمانة ومن المحافظين عليها يا رب العالمين. أيضاً هناك نقطة مهمة: إذا كنت بيتكم الساعة العاشرة صباحاً فلا تسرج النور بالكهرباء، فإذا كنت قاعداً في المصلحة أو في المكتب فلا تسرج النور، واتق الله؛ لأن الفلوس ليست من جيبك، بل أنت راعٍ فيما خولك الله. وأما أن تقول: هذا على قدر فلوسهم فلا، بل استقيل، وانظر عملاً يعجبك ما دام أنك لم يعجبك الخمسين والستين جنيه أو مائة جنيه أو مائة وخمسين، واذهب وانظر الذي يعطيك ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه ما دام أنك خبير وخطير. فإذا رضيت بما قسم الله لك بارك الله لك في القليل. اللهم بارك لنا في القليل وحببنا فيه وفي الحلال يا رب العالمين!
الخوف من المخلوق دون الخالق
ومن موجبات عذاب القبر: الخوف من المخلوق دون الخالق، وللأسف أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين يخافون من المخلوق ولا يخافون من الخالق.
تقديم كلام المخلوق على كلام الخالق
وأيضاً من موجبات عذاب القبر: تقديم كلام المخلوق على كلام الخالق، فإذا كنت تسمع القرآن ودخل عليك أحد يريد أن يكلمك في موضوع فيمكن أن تؤخره قليلاً، وثواب المستمع كالتالي تماماً، ومستمع الغيبة كالمغتاب تماماً، ومستمع النميمة كالنمام تماماً، والعياذ بالله، وقد قال بعض أهل العلم: من قال لزوجته: أقسم بالله أو أنت طالق إن لم أقص عليك أحسن قصة سمعتها في حياتي ولم يقص عليها قصة يوسف فقد وقع الطلاق؛ لأنه لا أعظم من قصص القرآن، وربنا يقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3]. و هارون الرشيد قال لزوجته مرة: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم سأل الفقهاء فقالوا: يا أمير المؤمنين! حاجة في علم الغيب، امرأتك طالق، فسأل أبا حنيفة قال: يا أمير المؤمنين! أسألك سؤالاً، قال له: نعم، قال له: هل تخاف من الله؟ قال: نعم، قال له: فإن شاء الله أنت من أهل الجنة؛ لأن الله يقول: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]. ولما قال لها: أنت طالق إن بت في ملكي الليلة، أفتى الفقهاء بطلاقها، وقال أبو حنيفة : تبيت زوجة أمير المؤمنين في المسجد؛ لأنه ملك الله وليس ملك أمير المؤمنين. ونعوذ بالله من عدم التأثر بالقرآن، والتأثر بمزامير الشيطان وآيات النفاق التي هي الأغاني وصوت الشيطان. نسأل الله أن يتوب على المغنيين والمغنيات الأحياء ويغفر للأموات، ويتوب علينا جميعاً من الاستماع إلى هذه الفوضى التي تنبت النفاق في القلب. اللهم وضع مكانها إيماناً وحكمة يا رب العالمين! وأيضاً من لا يصدق الحلف بالله عز وجل، والخائن للأمانة، والفاحش، وبذيء اللسان الذي يتكلم بالكلمات السيئة، وأصحاب البدع وهم كلاب أهل النار والعياذ بالله رب العالمين، والذي يأكل بالدين ما لم يأذن الله به، والقول على الله بدون علم في الفتاوى. واليوم إذا قلنا: إن عندنا ثمانية وأربعين مليون مسلم فعندنا ثمانية وأربعون مليون مفت في الدين! و أبو بكر رضي الله عنه لما سئل في الكلالة مرة: ما الكلالة يا أبا بكر ؟ قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان سيئاً فمن نفسي، وهذا هو الأدب من أبي بكر. و عمر بن الخطاب خطب على المنبر فسأله أعرابي بعد أن هم بالنزول من فوق المنبر: يا أمير المؤمنين! يقول ربنا: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [عبس:31] ما الأب؟ فنكس عمر رأسه، قال: الله أعلم، الله أعلم، أنا لا أدري، هل في المسجد من يجيب الرجل، فقال أحد الصحابة: نعم يا أمير المؤمنين! الأب: ما تأكله الأنعام من الحشائش التي تنب في الأرض، ألم تقرأ بعدها يا أمير المؤمنين: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [عبس:31-32]. فالفاكهة لنا والأب لأنعامنا، فـعمر نكس رأسه وقال: كل الناس أفقه منك يا عمر ! وأيضاً الرشوة والمسكرات والمخدرات، والخمر، والبيرة، والهروين، والحشيش، والأفيون، والبيرند، وكل هذه حرام؛ لأنه (ما أسكر كثيره فقليله حرام). وأثبتت الأبحاث ضرر البيرة، وأن فيها شيئاً من الكحول. وأيضاً نبشر المدخنين بأن السيجارة فيها مادة تسمى الروم، ولو وضعت نقطة من مادة الروم هذه في كأس ماء وشربه شارب لسكر. والسجائر والتدخين والشيشة حرام؛ لأن المدخن إن كان غنياً فهو مسرف: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، وإن كان المدخن فقيراً فهو سفيه، والله يقول: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً [النساء:5]. فالمدخن إن كان فقيراً فهو سفيه، وإن كان غنياً فهو مسرف، وكلاهما شر. والله عز وجل بعث لنا وإلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، وقد ثبت أن السجائر وهذه الأشياء كلها ليست من الطيبات، وإنما هي من الخبائث. اللهم تب على كل مدخن يا رب العالمين!
اللواط
ومن موجبات عذاب القبر: اللواط، وهو الشذوذ الجنسي، والعياذ بالله رب العالمين، وهكذا الذي يأتي زوجته في غير المكان الذي أمر الله به، وسبحان الله فقد جعل الأروبيين والأمريكيين والمنحرفين في هذه الأمم يتركون هذه الانحرافات رغماً عنهم؛ لأنه ثبت أن الإيدز السبب الأساسي له الشذوذ والانحراف الجنسي، والعياذ بالله رب العالمين. نسأل الله أن يتوب على الجميع، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل.
السرقة
ومن موجبات عذاب القبر: السرقة، ووددنا لو يقام حد واحد فقط على مختلس أو سارق، ووالله لن يتوب ويستقيم حاله إلا إذا قطعت يده؛ والله أعلم بذلك، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].
محلل المطلقة لزوجها الأول والمحلل له
وأيضاً المحلل والمحلل له، يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على التيس المستعار؟ قالوا: من يا رسول الله؟! قال: المحلل والمحلل له)، وفي الحديث: (لعن الله المحلل والمحلل له). والعياذ بالله. والتحليل يكون في الطبقات، فيأتي الرجل بالسكرتير أو السواق أو الشغال الذي عنده ويعطيه مائتين جنيه، وهو يشتغل عنده منذ ثلاثين سنة ولم ير مائتين قرش زيادة، ثم يفتح الباب وفي الداخل الشيخ المأذون وشاهدان، فيزوجوه، ثم يدخلوه على المرأة ربع ساعة يجلس معها، ثم يطلق، فيتزوجها الأول قبل أن تنقضي العدة. واليوم يدرسون في الثانوية العامة أن خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة أحد قادة العرب في حروب الردة وتزوج امرأته في أثناء المعركة، يعني أن خالد بن الوليد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الرجل وتزوج امرأته قبل أن تنقضي عدتها. فاتقوا الله في أولادنا، فهل يعقل أن خالد بن الوليد قتل الرجل في العصر ثم بعد المغرب تزوج امرأته، وهو سيف من سيوف الله؟! فإذا طلق رجل زوجته ثلاث تطليقات فلا بد أولاً من عدة، فإن كانت حاملاً فالعدة بالوضع، وإن لم تكن حاملاً فثلاث حيضات متتالية، ثم يتقدم لزواجها، ويحرم أن تختطب المرأة في العدة حتى بالتلميح، وأباح البعض التلميح، والمسلم لا يخطب المرأة في عدتها، فإذا انقضت العدة فليتزوجها زواجاً عادياً على التأبيد. ومن شروط الزواج أن يكون على التأبيد، وإلا كان متعة، والشيعة ربنا يهديهم عندهم زواج المتعة فيتزوجون ثلاثة أشهر أو أقل أو أكثر. و(لعن الله المحلل والمحلل له). فالذي يحلل من أجل ثلاثين أو أربعين جنيهاً فقد باع دينه بدنياه. فبع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً. اللهم اجعلنا من الرابحين في الدارين يا رب العالمين! وقد انتشر موضوع جعل العصمة بيد المرأة واشتراطها له، وسيدنا عمر فوجئ برسالة غريبة من سيدنا عبد الله بن مسعود وهو أمير ووال على الكوفة لم يعرف لها جواباً، فقال له: يا أمير المؤمنين! جاءني رجل وامرأة، فقال الرجل: ابن مسعود ! تزوجت هذه المرأة فقالت: اجعل العصمة بيدي، فجعلت العصمة بيدها، فدخلت مرة فقالت: اسقني، قلت: أنا متعب، قالت: أنت طالق، فقرأها سيدنا عمر وتعجب، وسيدنا ابن مسعود لم يفت فيها، ووالله لو عرضت هذه القضية على أي أحد اليوم لأفتى فيها! فخطب عمر في الناس فقال: أيها الناس! أمر جعله الله في أيدي الرجال، فتنازل الرجل عن هذا الأمر لزوجته فطلقته، فوقع طلاقها، فصارت طالقاً. نسأل الله أن يعيدنا إلى الإسلام.
الاحتيال على الشرع
ومن الموجبات لعذاب القبر: الاحتيال على إسقاط الفرائض، واليهود الله نهاهم عن العمل يوم السبت، واليهودي أصلاً بخيل، فكانت الحيتان تطلع من البحر على الشاطئ يوم السبت، والست الأيام الباقية لا يخرج حتى ولا حوت على الشاطئ، وكانوا منهيين عن الاصطياد يوم السبت، فكانوا يوم الجمعة بالليل ينصبون الشباك، فتطلع الحيتان يوم السبت وتقع في الشباك التي نصبوها، فيأتون يوم الأحد الصبح فيأخذون الشباك بما اصطاده من الحيتان. وفي المسلمين من يصنع قريباً من هذا، فتجد الشخص عنده من المال ما يستطيع أن يحج به بيت الله الحرام، ويقول: أنا عندي أولاد يتعلمون الابتدائية والإعدادية، فأحسن من أن أحج بيت الله الحرام أعلم الأولاد، وقد روي في الحديث: (من استطاع أن يحج ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً)، و عمر بن الخطاب قال: لو أتي إلي بواحد كان يقدر أن يحج ولم يحج فلن أصلي عليه صلاة الجنازة. فهو يحتال على إسقاط الفريضة، مثل: شخص كتب لزوجته مؤخر الصداق وحتى يتخلص منه بدأ يضربها ويؤذيها ويشتمها ويطردها ويقل أدبه معها ويضيق عليها المعيشة؛ حتى تقول له: حقي برقبتي، واكتب الذي يعجبك. فأين ذهب برب العباد سبحانه؟ فإذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك، فهو لا يريد أن يؤدي مؤخر الصداق، ويتحايل على إسقاطه بهذه الطريقة. وإذا تنازلت له عن مؤخر صداقها فإن كل معاشرته لها تكتب عند الله كأنما كان يزني بها، يقول سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: (من تزوج على صداق وهو لا ينوي أدائه فهو زان، ومن استدان ديناً وهو لا ينوي سداده فهو سارق)، أي: هذا المال. فهو يتحايل على إسقاط هذا الفرض ويقول: سأحسبه من مال الزكاة، والنية مسبقة، وأنت تضحك علي وعلى نفسك، ولكنك لا تضحك على الله، بل أنت محتال على إسقاط الفرائض. ومثل التي تترك الحجاب خوفاً من زوجها، فلا بد أن تتحجب بما يرضي الله، فإنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). فلتحتجب رغماً عنه، ولا ترضيه في جميع الأمور إلا فيما أمر الله.
عدم نصرة المظلوم
ومن مر على مظلوم يستنصره فلم ينصره، أو جلس ومسلم يضرب وهو يستطيع أن ينقذه فلم ينقذه فحرام عليه رائحة الجنة يوم القيامة. وأنت ترى في أقسام الشرطة وفي أماكن كثيرة الظلم واضحاً بيناً على الناس، فإذا كنت تستطيع أن تنصره فلم تنصره فحرام عليك رائحة الجنة. وهذا من موجبات عذاب النار يوم القيامة، فعندما تريد العبور على الصراط يوم القيامة تجد شخصاً متعلقاً في رقبتك يقول لك: استنصرتك مرة فلم تنصرني، وآخر يقول لك: رأيتني ظالماً فلم توقفني عند حدي. نسأل الله السلامة.
تتبع عورات المسلمين
وأيضاً المتتبع العورات الناس، ففي الحديث: (من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته). وإن المؤمن لا يخرج أسرار بيته خارج البيت، وأحدهم لما أراد أن يطلق زوجته سئل: لماذا؟ فقال: أنا لا أذكر عيوب امرأتي، فلما طلقها وانقضت عدتها تزوجت غيره. وأما نحن فنرى أسوأ منظر ونسمع أقبح الكلام، وغرفة النوم تظهر بعد الطلاق، نسأل الله الهداية والتوبة، وأن يعصمنا من كل سوء وزلل، وأن يعيد الأمن والأمان إلى بيوتنا، وإلى الأزواج والزوجات، وأن يطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن. وأحد التابعين ذهب يدفن أخته، وأثناء دفنها سقط منه كيس النقود فلحدوها وغطوا القبر، فلما رجع تذكر، ورجع يبحث عن كيس النقود فرأى في التراب حرارة تشتد، فأخذ الكيس وقد التهبت يداه، فرجع إلى أمه مذعوراً يسألها: يا أماه! ماذا كان تصنع أختي؟ قالت: كانت صوامة قوامة تصوم النهار وتقوم الليل، مطيعة لزوجها، متصدقة، غير أنها كانت تضع أذنها على حيطان جيرانها؛ لتتسمع أخبارهم، وهذه موجودة عندنا وعند نسائنا. نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.
الحكم بغير ما أنزل الله
وأيضاً: الحكم بغير حكم الله، سواء على المستوى الرسمي، أو على المستوى الشعبي، الحكم بغير ما أمر الله، فمثلاً: رجل استأجر شقة وأراد أن يخرج من الشقة فقال: أنا سآخذ خلو رجل، فيأخذ خمسة أو ستة ألف جنيه، أو عشرة أو عشرين على قدر حجم الشقة، فنقول له: اعلم أن ما أخذته حرام، حرام، حرام، وهكذا الخلو الذي يأخذه المالك عندما يؤجر تحت أي مسمى أيضاً حرام حرام حرام. وأيضاً قد صار عرفاً في شمال مصر وجنوبها أن المستأجر للأرض الزراعية يأخذ نصف الأرض، وفي بعض البلاد يقولون للمستأجر: نريد ثلثين الأرض، وهذا إنما يقتطع لنفسه جزءاً في جهنم، ولن تنفعه الأرض. اللهم إني أعوذ بك من مال أحاسب أنا عليه في قبري ويتمتع به ورثتي من بعدي. فقد كان سيدنا عمر يدعو كذا. وأيضاً: أحدهم إذا كبرت ابنته وأرادت امرأته تحجيبها قال لها: لا تحجبيها. فمن حكم بغير ما أنزل الله فإنه من الظالمين الفاسقين الكافرين المشركين. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يحكمون بما أنزل الله عز وجل.
الإلحاد في الحرم
ومن موجبات عذاب القبر: الإلحاد في الحرم، قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] قال العلماء: لو أن حمامة من حمام الحرم جاءت وجلست على كتفك فهششتها كذا فقد ألحدت في الحرم، ولو دخلت مكة ونويت أن تعمل ذنباً كتب ذنباً، ولو كنت في مصر ونويت أن تعمل ذنباً لم يكتب، بل إذا نويت عمله ولم تعمله كتب حسنة، ولكن إن نويت عمل ذنب في مكة في الحرم، أو حول الحرم داخل حدود مكة كتب الذنب وإن لم نصنعه، فالحسنة في مكة مضاعفة، والسيئة فيها أيضاً مضاعفة، و ابن عمر لما كان يدخل مكة كان يعمل له خيمتين، خيمة يجلس فيها وهو محرم وحاج، فإذا جاء الناس يكلموه في أمور الدنيا خرج إلى الخيمة الثانية خارج الحرم؛ حتى يتكلم في أمر الدنيا؛ حتى لا يكون من الملحدين في الحرم. واليوم يجلس الحجاج في الغيبة والنميمة وخلافات فيما بينهم، ويمسكون المشرف على الرحلة ويقولون له: أنت الذي أكلت مالنا، وهذا ليس حجاً. نسأل الله أن يجعلنا إذا حججنا نحج كما أمر الله وكما يرضي الله عز وجل.
النائحة
وأيضاً النائحة والمستمعة لها، فمن ناحت على ميت كانت كمن هدمت الكعبة بيديها أو أخذت حربة تحارب بها رب العباد سبحانه، والنائحة على الميت ربنا يبعثها يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، والملائكة يقولون لها: ادخلي نوحي على أهلها كما كنت تنوحين في الدنيا. والبكاء العادي لا يحاسب الله عليه، وإذا نصحت إحداهن وقلت لها: عيب، كوني صبورة، قالت: ماذا يا أستاذ! الرسول صلى الله عليه وسلم بكى على إبراهيم، فالرسول صلى الله عليه وسلم بكى مرة أو مرتين وليس عشرين سنة؛ لأننا من سلالة تحب الآثار، وعندنا أشياء غريبة، فنحن نمجد فرعون و رمسيس ، وسبحان الله، واحد هايف أو واحدة هايفة في جريدة أو في مجلة تقول: إن فرعون الذي هو رمسيس الثاني كان رجلاً دمث الأخلاق، ومؤدباً ولم يكن فظاً ولا غليظ القلب، ولا عالياً في الأرض، وربنا يقول: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا [القصص:4]، وهذا يقول: لم يكن عال في الأرض، فمن نصدق الله أم هذا؟! وإذا رأيت مكاناً يعصى الله فيه وأنت غير قادر على تغيير المعصية فلا تقعد فيه، فإذا أتت إليك امرأة وقالت لك: فرح ابنتي غداً، هي ابنة أخيك، وأنت الوكيل لها وعمها الكبير، فأتيت وجئت بالمأذون وعقد القران، ثم رأيت الفرقة والراقصة وراءها، فإذا كنت متقياً الله فاترك الفرح واخرج، ولا تجامل أخاك على حساب الدين؛ لأن أسوأ العباد عند الله من باع آخرته بدنيا غيره.
تأخير الصلاة عن وقتها
العرافة والكهانة والسحر
وأيضاً: العرافة والكهانة والسحر، وعلى المسلم أن يسمع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم القائل: (من أتى عرافاً أو كاهناًَ فصدقه بما قال فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله)، ومن العرافة والكهانة: الحظ والأبراج التي في الصحيفة، وفتح الكوتشينه، والمندل، وقراءة الكف، وقراءة الفنجان، والودع.. وغيرها، ومن يصدق هذا الكلام فقد خرج من ربقة الإسلام. ومن العرافين والكهنة والسحرة من يستهزئ بكتاب الله، فيفتح المصحف ثم يقلب سبع صفحات، ويترك سبعة أسطر، ويقرأ إلى السطر السابع، أو يضع المفتاح في المصحف ويربط المصحف بخيط ويترك المصحف يلف لغاية ما يسكن على شيء معين. إلى غير ذلك، وهذا استهزاء بكتاب الله عز وجل، ومن استهزأ بكتاب الله فكأنما استهزأ بالمولى عز وجل سبحانه.
المنجيات من عذاب القبر
أول سبب للنجاة من عذاب القبر هو أن نتجنب كل هذه الأسباب الأربعة والعشرين أو الخمسة والعشرين من موجبات عذاب القبر. وهناك سبعة عشر عملاً تنجيك من عذاب القبر إذا عملتها، وقد ذكرت في حديث رواه الإمام مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقبل أن ندخل في الحديث نقول: لا بد للإنسان المسلم أن يحاسب نفسه كل يوم قبل النوم أولاً بأول، ثم تلاوة سورة الملك وذلك كل ليلة، وأحد الصحابة كان في الليل مسافراً فنصب خيمته ونام، فسمع كأن تحته من يقرأ سورة الملك: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] فقام ونقل الخيمة وعاد إلى المدينة، فسأل سيدنا الحبيب فقال: يا رسول الله كنت مسافراً فنصبت الخيمة على قبر فسمعت صوتاً كمن يقرأ سورة الملك، فقال له: (إن صاحبها كان يتلوها كل ليلة، وهذا قبره آنسه الله بها بعد موته). ……
المنجيات من عذاب القبر المذكورة في حديث عبد الرحمن بن أبي سمرة
وأما حديث سيدنا عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه فقال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة) والصفة كانت في مؤخر المسجد النبوي، وكان فيها فقراء المسلمين، وكانوا يعلقون حبالاً في الأعمدة في المسجد النبوي، وكان المسجد من جذوع النخل، فكان من يريد من الأغنياء أن يأتي بحاجة يأتي قبل الفجر بساعة أو بساعتين ويعلقها في الحبل، والفقير المحتاج كان يأتي ويأخذ، ولكن الفقير كان قانعاً، وأما اليوم فقد سلط علينا الغلاء ومن لا يرحمنا بسبب ذنوبنا، وكان ابن عطاء الله يقول: أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطئ الحجر. ……
بر الوالدين
فعن عبد الرحمن قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: إني رأيت الليلة عجباً)، ورؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم نوع من الوحي، قال: (رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرد عنه ملك الموت)، يعني: فالموت يمكن أن يتأجل، وقالوا: يتأجل في حالة واحدة وهي برك بوالديك، فيطول عمرك، حتى إن ملك الموت لا يعلم هذا السر الذي هو بينك وبين الله، ولا يعلمه إلا الله. فملك الموت قبل أن ينزل عليك يقول له ربنا: يا ملك الموت! لا تقبض روح هذا، فيقول له: لماذا؟ فيقول: لأنه بار بوالديه، أو لأنه كان باراً بوالديه، فزده عشر سنوات. وفي الحديث: (ليفعل البار مهما يفعل من أبواب الشر فلن يدخل النار، وليفعل العاق بوالديه ما يفعل من أبواب الخير فلن يدخل الجنة، قالوا: وإن ظلماه يا رسول الله؟! قال: وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه).
ذكر الله
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الشياطين)، يعني: اجتمعت عليه تريد تضييعه، (فجاءه ذكره لله ليل نهار فخلصه من بين أيديهم)، فذكر لله سلاحك، بل قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (الوضوء سلاح المؤمن)، فالمؤمن وهو ماشي متسلح بالوضوء وبذكر الله، فإذا جاءته الشياطين ذكر الله، وإذا جاءتك ملائكة العذاب في القبر من ناحية رأسك فالعينان تقولان: يا ملائكة العذاب! لقد كان غاضاً لي عما حرم الله، ويقول اللسان: لقد كان كافاً لي عما حرم الله، والأذنان تقولان: لقد كان مغلقاً لي عما حرم الله، وإذا جاءته ملائكة العذاب من ناحية يديه قالتا: ما سرقت ولا ارتشيت ولا ضربت ولا سفكت دماً ولا ظلمت مرة، وإنما تصدقت وأمسكت المصحف ومسحت على رءوس اليتامى، فإذا جاءوا من ناحية القلب قال: ما حملت غلاً ولا حقداً ولا حسداً ولا غشاً ولا نفاقاً، فإذا جاءا من ناحية الرجلين قالتا: ما فررت من الزحف مرة، وإنما ذهبت لتعمير بيوت الله، ولإصلاح ذات البين، وللإصلاح بين المتخاصمين، ولتفريج كربات المسلمين، فتقول ملائكة العذاب لملائكة الرحمة: وسعوا لعبد الله في قبره؛ حتى يرى مقعده من الجنة. اللهم اجعلنا منهم يا رب!
المحافظة على الصلاة وصيام رمضان والغسل من الجنابة
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً أحاطت به الملائكة لتأخذه إلى النار، فجاءته محافظته على الصلاة فأنقذته منهم، ورأيت رجلاً يلهث من العطش يريد أن يشرب من الحوض)، أي: أنه عطشان في القبر وفي الآخرة والعياذ بالله، (فجاءه صومه رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي والنبيون جلوس حلقاً حلقاً، كلما جاء إلى حلقة طرد ومنع منها فجاءه إسراعه بغسله من الجنابة فأجلسه في حلقة الحبيب محمد)، فعليك بالإسراع بالغسل من الجنابة، وأحياناً تقول: الظروف تعب، أو هناك صعوبة، أو انقطعت المياه، فأقل ما فيها أن تتوضأ، وكان هكذا يصنع النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل ألا تنام إلا على اغتسال؛ حتى تحيط بك الملائكة.
الحج والعمرة
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي وقد أحاطت به الظلمة يتخبط فيها، فجاءه حجه واعتماره فأضاءا له القبر، وأضاءا له الصراط يوم القيامة)، اللهم وفقنا للحج إلى بيتك يا رب العالمين! ومن حج فليحج مرات ومرات.
الصدقة وصلة الرحم
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً يتقي شرر النار بيديه، فجاءته صدقته فجعلت بينه وبين النار حجاباً وستراً)، وفي الحديث: (وإن العبد ليستظل بظل صدقته يوم القيامة)، اللهم اجعلنا من المتصدقين يا رب! (ورأيت رجلاً من أمتي يكلم الناس ولا يكلمونه فجاءه صلته للرحم، فأمر الله عز وجل الملائكة والناس أن يكلموه فكلموه)، فهذه صلة الرحم التي قطعناها، والرحم هو عمي وعمتي، وخالي وخالتي، وابن عمي وابن عمتي، وابن خالي وابن خالتي، وأخي وأختي، وصاحب أبي، فيفرح الأب في قبره، ويكون هذا نوراً ينير به قبر أبيه بعد موته.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن الخلق
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي وقد احتوشته زبانية جهنم، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستخلصه من بين أيديهم، ورأيت رجلاً بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه مع الناس فرفع الحجاب الذي بينه وبين الله، فتطلع إلى وجه الله بكرة وعشياً)، فهذا حسن الخلق، والسيدة أم سلمة تقول: (يا رسول الله! الواحدة منا تتزوج الواحد والاثنين والثلاثة فيموت أو يطلقها فيتزوجها غيره، فتتزوج بمن يوم القيامة إن دخلوا الجنة كلهم؟ فقال: يا أم سلمة ! تتزوج أحسنهم خلقاً، يا أم سلمة ! ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة)، وأنا أريد أن يقول الناس عنك: إنك ملك من الملائكة، وأنك خفيف ولطيف ومثل النسمة، إذا جلس لا تسمع صوته، ووالله أعرف أناساً -رحم الله من مات منهم، وغفر لمن هو على قيد الحياة وقواه وقوانا على طاعة الله- يعزفون عن معاملة الناس وينطوون على حالهم، وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (عاشروا الناس معاشرة حتى إذا غبتم عنهم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم)، فعندما يغيب يحن إليه، وإلى جلوسه معه، وإن مات الرجل الصالح قال: رحمة الله عليه، وانظر بعد مئات السنين أكثر من ألف وأربعمائة سنة كلما نقول: أبا بكر أو عمر أو عثمان قلنا: رضي الله عنهم. وقد قص علينا أستاذ فاضل قصة لطيفة فقال: أحد الوعاظ من إخواننا الدعاة خطب خطبة عن الحساب يوم القيامة، وأن الموضوع صعب، ولم يذكر فيه آية من آيات الرحمة، وكان شيخ العرب قاعد يسمع الرجل، حتى أكمل الخطبة فقال له: يا سيدنا الشيخ! قال: نعم، قال: الموقف الذي أنت تتكلم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم موجود؟ قال: نعم، قال: وفيه أبو بكر رضي الله عنه؟ قال: نعم، قال: وفيه عمر بن الخطاب ؟ قال: نعم، قال: وفيه عثمان بن عفان ؟ قال: نعم، قال: و علي بن أبي طالب ؟ قال: نعم، فقال: هؤلاء موجودون كلهم وتقول: العذاب، يا إخوانا ربنا سيرحمنا يوم القيامة، وهذا الرجل الذي جاء من الحكومة كذاب، سبحان الله! لا إله إلا الله! وحتى لو جاء من عند الحكومة فإن الذي يقوله: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن نسأل الله أن يرحمنا وإياكم. فحسن الخلق كشف الحجاب الذي بينك وبين الله عز وجل، اللهم حسن أخلاقنا يا رب! وادع ربنا وأنت ساجد دائماً: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
الخوف من الله عز وجل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي وقد أتته صحيفته من شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ الصحيفة بيمينه). قال رجل للحسن البصري: كيف خوفك من الله؟ قال: لو ركبت البحر وتحطمت بك السفينة فلم يبق منها إلا لوح خشب وتعلقت به وسط الأمواج كيف خوفك؟ قال: شديد، قال: أنا مع الله هكذا ليل نهار.
الرضا بقضاء الله بموت الأفراط
قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي وقد خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه)، والأفراط: هم الأولاد الصغار الذين ماتوا، والولد أو البنت إذا نزل من بطن أمه واستهل ثم مات فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. وهنا نقطة مهمة: فلا بد من تسميته قبل دفنه، ولو لم تسميه لخاصمك أمام الله يوم القيامة، والعبد يفرح إذا مات له ولد أو اثنان أو ثلاثة؛ لأنه سيوقف على باب الجنة ويرفض دخولها إلا بصحبتك، وأنت قد صبرت عليه أنت وزوجتك. وفي الحديث: (إن الله يقول للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم يا رب! فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم يا رب! فيقول: وماذا صنع عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع)، أي: قال: الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، (فيقول: إني رضيت على عبدي، ابنوا لعبدي قصراً وبيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد، وألحقوه بمن مات من ذريته)، فافرح يا من مات لك ابن أو بنت وصبرت، فهذا من الأشياء التي تثقل ميزانك إن شاء الله يوم القيامة. اللهم ثقل موازيننا يا رب العالمين! قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً من أمتي يقف على شفير النار، فجاءه رجاؤه في الله فأخذته الملائكة فأدخلته في الجنة)، فليكن عندك حسن أمل في الله وحسن ظن بالله، لكن مع حسن العمل. قال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت رجلاً وقد هوى في النار فجاءته دمعة قطرتها عينه فأطفت النيران من حوله، فأخرج فدخل الجنة)، والذين يغصبون من قنوت رمضان والجمعة ويستهزئون ويقولون: ما أنزل الله بها من سلطان، ويتطاولون على أهل العلم، ويستنكرون والنبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً متصلاً يدعو على رعل وذكوان، وقد أجمع الفقهاء على أنه يباح للإمام أن يقنت في كل صلاة عند نزول البلاء بالمسلمين، وأنا أسأل هؤلاء المعترضين سؤالاً: هل هناك بلاء أكثر من الذي نحن فيه؟ نسأل الله أن يعافينا وإياكم، فالبلاء الذي نحن فيه على مستوى الحي والمدينة والدولة والعالم الإسلامي كله، وأي بلاء أكبر من هذا؟ ويمكن يا أخي! أن ندعو ربنا مرة ونقول: يا رب! فيقول الله: استجبت يا عبادي! وأنزلت عليكم رحمتي يا عبادي! وهناك أنا فقهوا فن الاعتراض لا لشيء إلا أنه يجب أن يعترض. عند هذا الحد نتوقف وسنكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله. جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منقول5
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:46 PM   #6
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة السادسة


سلسلة الدار الآخرة_بداية علامات الساعة الصغرى
الدكتور/ عمر عبد الكافى

إن للساعة علامات صغرى وكبرى، والعلامات الصغرى بدأت ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا زالت تتوالى من ذلك الزمن إلى زمننا هذا، والناظر فيها يرى أنها قد ظهرت كلها، ونحن بين عشية وضحاها ننتظر ظهور أول علامة من علامات الساعة الكبرى، فالذي ينبغي للمؤمن أن يسارع إلى مرضاة ربه قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.
الفرق بين علامات الساعة الكبرى والصغرى
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه الحلقة السادسة في سلسلة الحديث عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، وهذه الحلقة خاصة بعلامات الساعة، وكل حلقة من حلقات الدار الآخرة تمثل مرحلة هامة من مراحل الموت وما بعده. ندعو الله في بداية هذه الحلقة أن يجعل برحمته جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل ربنا برحمته بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسَّرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، واجعل هذه الدروس في ميزان حسناتنا جميعاً يوم القيامة، اللهم ثقل بها موازيننا، واجعلها حجة لنا لا حجة علينا، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وصل اللهم وسلم وبارك على البشير النذير سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. تكلمنا في الحلقتين السابقتين عن الأسباب الموجبة لعذاب القبر، وعن الأسباب المنجية من عذاب القبر، ورأينا أن الحلقة التي كانت خاصة بأسباب وموجبات عذاب القبر، كان الكلام فيها صعباً على النفوس، ولكن عندما جاءت منجيات عذاب القبر خففت منها شيئاً، ولكن القضية ليست قضية علمية بحتة، وإنما نحن في هذا المسجد نبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغه عن ربه سبحانه وتعالى. وقلنا: إن الكلام في مسألة الدار الآخرة لا اجتهاد فيه، وإنما أخذناه من فم الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فكل مسائل الدار الآخرة مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، ولا إفتاء فيها أبداً. علامات الساعة كثيرة، وحلقة طويلة جداً، ونحن مربوطون بوقت محدد، فلكيلا يطول الحديث ندخل فوراً في حلقة اليوم إن شاء الله، فاللهم! يسر لنا يا معين. علامات الساعة تنقسم إلى قسمين: علامات صغرى، وعلامات كبرى. وهناك فرق بين علامات الساعة الصغرى، وعلامات الساعة الكبرى. الفرق الأساسي الجوهري: هو أن علامات الساعة الصغرى إذا ظهرت كلها فباب التوبة لا يزال مفتوحاً أمام المسلم. أما علامات الساعة الكبرى إذا ظهرت منها أول علامة أغلق باب التوبة، نعوذ بالله من ذلك، اللهم تب علينا يا رب قبل أن تظهر علامات الساعة الكبرى. إذاً: الفرق الجوهري الأساسي: أن علامات الساعة الصغرى إذا ظهرت فما زالت هناك فسحة أن يعود المذنب ويتوب العاصي والمنحرف، وأن يسترشد الضال، لكن إذا ظهرت أول علامة من علامات الساعة الكبرى فقد أغلق باب القبول، وأغلق باب التوبة، لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]. علامات الساعة الكبرى تسع علامات نؤجلها الآن، ونتكلم عن علامات الساعة الصغرى، جمعتها لكم بفضل الله عز وجل من الكتب والأحاديث الصحيحة، مما يقرب من (642) كتاباً، وجمعت فيها بفضل الله عز وجل ما لا يقل عن (1242) حديثاً، لكن أخذنا عينات؛ حتى لا يطول بنا الشرح. وجمعت لكم من علامات الساعة الصغرى (95) علامة، وأنا في حالة من الرعب كلما أعدت عليكم حلقات الدار الآخرة، وهذه ثالث مرة، فقد شرحتها لكم أول مرة في سنة (1974م)، وفي المرة الثانية في سنة (1987م)، وهذه المرة الثالثة، وأنا كلما أعدتها حدث لي رعب؛ لأن الخمسة والتسعين علامة رأيت أنها كلها قد ظهرت، نسأل الله السلامة، لم يبق إلا أن نصبح في الصباح وقد ظهرت بعض علامات الساعة الكبرى. وقد يحزنني من تفوته دروس الدار الآخرة؛ لأن العبد إذا مات قامت قيامته الصغرى، فأنت لو مت لا تحتاج علامات ساعة لا صغرى ولا كبرى؛ لأنك إذا مت انفصلت عن الحياة ودخلت في مرحلة أخرى من مراحل العمر ألا وهي حياة البرزخ، وعالم البرزخ عالم لا يعلمه إلا الله، فيدخل الإنسان أول منازل الآخرة بعد موته. هذه علامات الساعة الصغرى كما جاءت في أحاديث الصادق الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كل الكلام الذي سوف أشرحه لحضراتكم من نصوص أحاديث صحيحة نقحتها على مدى سنوات ثلاث، قبل أن أبدأ في حلقات دار الآخرة عكفت على علم الحديث الذي درسته وأدرسه، ونقحت هذه الأحاديث جميعاً بحيث لا تجدون أبداً حديثاً ضعيفاً فيها؛ لأن أمانة العلم تقتضي هذا المشهود. يقول الله عز وجل في سورة الأنبياء: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء:1]، هذا الاقتراب يدل على القرب. وقال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] يعني: هم منتظرون أن تأتيهم الساعة. ويقول ربنا عز وجل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، هذه الآية فيها تقديم وتأخير، والتقدير: انشق القمر واقتربت الساعة؛ لأن انشقاق القمر كان قبل قيام الساعة وسبب انشقاق القمر أن المشركين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! لو شققت لنا القمر لآمنا بك، قال: يا رب! شق لهم القمر، فكان نصف القمر على جبل أبي قبيس والنصف الآخر على الجبل المقابل له، فقيل له: هل آمنتم؟ قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:24] أي: سحرنا محمد؛ لأنه ساحر، ماذا تقول لقلوب قد أوصدت وأغلقت، اللهم! فهمنا وعلمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا، وتب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، ووفقنا لما تحبه وترضاه. وعلامات الساعة الصغرى (95) علامة، لكن بعض العلماء قد يقول لك: هي عشرون، وآخر يقول: هي ثلاثون، لكني جمعتها لك من أحاديث كثيرة…….
ذكر بعض العلامات الصغرى لقيام الساعة
من علامات الساعة الصغرى: بعثة النبي عليه الصلاة والسلام
أول علامة: بعثة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وضم السبابة والوسطى، إلا أني جئت قبلها). وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [النازعات:42] يعني: متى ستقع الساعة ومتى يوم القيامة؟ ومتى ربنا يأخذنا ويحاسبنا؟ فِيمَ [النازعات:43] يجوز أن تقول: فيمه وتسكت، وهذه اسمها هاء السكت، فقوله: (فيمه) أي: أنت علامة من علامات الساعة يا محمد، وهذه فائدة علم القراءات، وسيدنا الحبيب هو آخر الرسل ليس بعده رسول. قد يقول قائل: يا أخي من ألف وخمسائة سنة لم يحصل شيء، نقول: إنما الأيام أيام الله، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ [الحج:47]. فنحن من ألف وخمسمائة سنة كم لنا في هذه الدنيا؟ لنا يوم ونصف من ساعة بعثة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لو قعدنا ثلاثة أربعة أيام خمسة أيام فهذه خمسة آلاف سنة، ولو قعدنا أسبوعاً فهذه سبعة آلاف سنة، ولو قعدنا شهراً فهذه ثلاثون ألف سنة. إذاً: الأيام ليست أيامك.
من علامات الساعة الصغرى: ما ورد ذكره في حديث جبريل الطويل
العلامة الثانية: أن تلد الأمة ربتها، روي في الحديث الصحيح: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ليس عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد منا، ووضع ركبتيه إلى ركبتي رسول الله وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: أنا وأنت في عدم المعرفة سواء، ثم قال له: (أخبرني عن أماراتها) يعني: علامات الساعة. قال له: (أن تلد الأمة ربتها)، هذه ثاني علامة، يعني: الأم بعد ما كانت هي المطاعة في البيت، تأتي بنتها فتحكم عليها وتنكد على أمها، وهذا حاصل وواقع. ثم قال: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) من قبل ترى القصر ويقال لك: هذا قصر فلان باشا، أما الآن فترى القصر فيقال لك: هو ملك فلان السباك، أو الزبال. كذلك قبل ستين سنة تقريباً في المملكة والحجاز ودول الخليج ترى الرجل يسكن في خيمة وأرجله مشققة من الصحراء، يمشي حافياً، وإن بنى له حاجة كانت عبارة عن عشة مثل الكوخ، لكن الآن اذهب إلى الرياض أو جدة، وانظر، تقول: نحن في باريس، تجد الحفاة العراة قد تطاولوا في البنيان. فمن نسي نعمة الله عليه ولم يؤد شكرها نزعها الله منه فأعطاها لمن يستحق، وقد كان المصريون سادات العالم منذ آلاف السنين، فوصل بهم الحال اليوم إلى أن استدانوا، وسوف يأتي يوم من الأيام وتنقلب الأمور وتتعدل، إذا اتقى المصريون ربهم، فتعاد موازين القوى مرة أخرى، ويأخذ المال من يحسن إدارة المال. وسمي المال مالاً؛ لأنه مال بالناس عن الحق، ولو أن أهل الخليج وأهل الحجاز أخرجوا زكاة أموالهم كما أمر الله عز وجل إلى فقراء المسلمين في أنحاء العالم؛ لما ظل مسلم فقيراً أبداً في الدولة المسلمة؛ لأن الله جعل قوت الفقير في مال الغني، فما جاع فقير إلا بتخمة غني. قوله: (أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم غادرنا، قال: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم). يعني: هذا جبريل سألني هذه الأسئلة لأجل أن تتعلموا أمر الدين، هكذا قال المعصوم صلى الله عليه وسلم.
من علامات الساعة الصغرى: سعادة اللكع في الدنيا والإسراف في المأكل والملبس
العلامة التي بعدها أن تجد أسعد الناس في الدنيا لكع ابن لكع، واللكع هو اللئيم كما في القاموس. وفي المقابل أن يمر الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني كنت مكانك. يعني: أن يمر المؤمن بقبر أخيه فيقول: يا ليتني كنت مكانك؛ من كثرة الفتن التي رآها، أما اللكع ابن اللكع فيعيش سعيداً في الدنيا، والإنسان المستقيم التقي المؤمن الورع فإن الدنيا بالنسبة له سجن يريد أن يتحرر منه، اللهم حررنا من سجن الدنيا إلى سعة الجنة يا رب العالمين. العلامة التي تليها: كان سيدنا مصعب بن عمير شاباً مرفهاً في مكة، وكان يلبس الفاخر من الثياب، لكن تبدل حاله بعد الإسلام؛ لأن أهله أخذوا منه الثروة والأموال، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الحال قال: (كيف بكم إذا جاء عليكم زمن يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتوضع أمامه صحفة، وترفع أخرى) يعني: يلبس الصبح لبساً، وبعد الظهر لبساً آخر، وتوضع الأطباق على السفرة وترفع أخرى، قالوا: (إذاً نتفرغ لأمر الله يا رسول الله) يعني: لا ننشغل بأمر الرزق ما دامت الأموال كثيرة والحمد لله، فقال: (لا أنتم اليوم خير منهم يومئذ) يعني: أنتم في هذه الأيام أفضل من الأيام التي تفتح فيها الدنيا ويكثر فيها المال. ولذلك جاء في الأثر: أن من الذين يدخلون الجنة بدون حساب رجلاً ينادي على أهله: ائتوني بشرابي، فيأتونه بالماء، لكن اذهب عند المصري المسلم فأول ما تقعد يقول لك: هل تحب الشاي أم القهوة أم العصير.. وغير ذلك؟ مع ذلك تجده يقول لك: ها نحن صابرون على الضنك الذي نحن فيه. يا أخي! أنت كمسلم تحمد الله على أن ربنا وسع عليك، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى علياً كرم الله وجهه، وهو يغمس اللقمة في الخل ثم في الزيت، قال: يا ابن أبي طالب طعامان في طعام واحد، إنك لمسرف يا علي .
من علامات الساعة الصغرى: إمارة الأشرار والنساء وتحكم البخلاء في الأموال
قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أمراؤكم خياركم، وأمركم بين أيديكم، وأموالكم في أيدي سمحائكم وكرمائكم، فظهر الأرض خير من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأمركم بين أيدي نسائكم، وأموالكم في أيدي بخلائكم، فبطن الأرض خير من ظهرها) كل علامة من العلامات التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم يقصها علينا كأنه شاهد عيان صلى الله عليه وسلم.
من علامات الساعة الصغرى: كثرة القراء وقلة العلماء
أيضاً من علامات الساعة: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يكثر القراء ويقل العلماء) بالله عليك كم عالم هذا الوقت في مصر، العالم الذي تحب أن تسمعه، وتتعب وتسافر لتأخذ عنه، بعدد الأصابع، لكن كم مقرئ سمعته؟ أكثر من الرز. والنتيجة: (ويكثر الجهل) هذه النتيجة حتمية، الآن تجد من يلبس عمامة حمراء والناس تستفتيه في مسألة الطلاق وغيرها. وكان هناك من قبل نوعان من لباس الرأس وعليهما شال: طربوش غامق بزر أسود للعالم، وطربوش (شرباتي) فاتح بزر أزرق للمقرئ، وأنت عندما تنظر إليه تقول: هذا مقرئ وهذا عالم، أما في وقتنا فقد صار كله عاماً، (يكثر القراء ويقل العلماء، ويكثر الجهل)، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (فيرفع العلم) وجاء في الحديث: (إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً، ولكن بقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
من علامات الساعة الصغرى: انتشار الفواحش
ومن علامات الساعة: انتشار الفواحش والزنا بدرجاته، العين تزني، والأذن تزني، والرجل تزني: العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، ويصدق هذا كله أو يكذبه الفرج. فيكثر الزنا، ويشرب الخمر، كل الفنادق ذات الخمسة نجوم فيها خمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يصير لكل خمسين امرأة قيم واحد؛ لأننا صعبنا الحلال، فصار الحرام يسيراً، فالشاب عندما يفكر في الزواج، هذه مسألة من رابع المستحيلات، من أين البيت؟ من أين يفرشه؟ من أين الشبكة؟ من أين المهر؟ من أين المؤخر؟ من أين تكاليف العرس؟ من أين الفندق؟ من أين السجاد والثلاجة والفريزر؟ فيأتي آخر إلى هذا الشاب فيقول له: لماذا تتعب نفسك؟ تعال أزوجك زواجاً عرفياً لا تدفع فيه ربع جنيه، فهذه الجامعات مليئة بالفتيات اذهب واختر واحدة منهن، واترك الباقي علي أنا. من إحدى الجامعات فقط وصلتني رسالة تحت عنوان: مشكلة الزواج العرفي بين الطلبة والطالبات، وعددها (742)، هذا الذي وصلني، فكم وصل الإخوة العلماء الباقين، والتي لم تصل وإنما فاحت ريحها. أقول: إن الحلال صار صعباً، وصار الحرام أمره ميسور، فكثر الزنا وكثرت الفواحش. نقول: يسروا أمر تزويج الشباب والفتيات، وإلا فسوف يحاسبنا الله جميعاً، وولي الأمر الذي يصعب على العريس مسألة الزواج ولا يتقي الله في ابنته التي عنده فهو قاطع رحم، فقد جاء في الحديث: (إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). نريد أن نيسر أمر تزويج الشباب والشابات، ليس ضرورياً خمس غرف أو سبع غرف، بل يكفي غرفة أو غرفتان وصندوق توضع فيه الملابس. كذلك أصحاب الأموال يتصدقون ويزوجون الشباب، وهذه تعتبر صدقة جارية لهم، تظل إلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.
ذكر خمس عشرة خصلة وعلامة من علامات الساعة الصغرى
من علامات الساعة: ما ورد في هذا الحديث: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة فارتقب الساعة: إذا صارت الزكاة مغرماً) أي: تصير الزكاة غرامة، زكاة عشرين ألف جنيه، أو ثلاثين ألف جنيه، أو سبعين ألف جنيه، زكاة كم مليون، المليون عليه خمسة وعشرون ألفاً، والألف جنيه عليه خمسة وعشرون جنيهاً، أي: أعط للفقراء جزءاً من كل أربعين قسطاً. ثم قال: (والأمانة مغنماً) تضع عند أخيك أمانة يأكلها عليك، الأب يوصي الابن الأكبر ببقية إخوته وأخواته بألا يأكل حقهم، فإذا مات الأب، قام الأخ الأكبر الذي لم يترب على تقوى الله وانفرد بالثروة وبالتركة، وأكل نصيب إخوته، فليعلم هذا أنه إنما يأكل في بطنه ناراً وسوف يصلى سعيراً. ثم قال: (والمال دولاً) أي: يتداوله الأغنياء فيما بينهم. ثم قال: (وأن يعق الرجل أباه ويبر صديقه) تجد الولد في النادي يقول للمدرب: يا كبتن، والكبتن هذا بينه وبينه خمس ست سنين فقط، وعندما يكلم أباه يقول: أنت أصلك لا تفهم. ثم قال: (وأن يطيع زوجته ويعصي أمه) يقول لك: إن أمي لا تغضب علي إن عصيتها؛ لأنها تحبني، لكن زوجتي تحبني بينما لو عصيتها تغضب، نقول لهذا: وأمك عندما تغضب عليك، وتبكي للصبح، أين تذهب أنت من دمعتها حتى تصبح؟ تذهب إلى أين من الأم التي إن ماتت ناداك ربك: عبدي! ماتت التي كنا نكرمك من أجلها، فاعمل صالحاً نكرمك من أجلك. لو أن واحداً مات أبوه وهو غير راض عنه، أو ماتت أمه وهي غير راضية عنه، فإنه بقي له أن يبر ويزور أقاربه، وكذلك يدعو لهما، ويتصدق عنهما، ويستقيم هو على طريق الله، كل هذا يصل ثوابه إلى أبيه وأمه بعد موتهما وفي حياته هو. بر بوالديك وإن ظلماك، واصبر عليهما، وكن معهما إن كبرا في السن على قدر عقليهما. (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، إن البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان). ثم قال: (وارتفعت الأصوات في المساجد) مثل ما يحصل من النساء الآن؛ لأنهن لا يتقين الله عز وجل، ولا يعرفن حرمة المسجد، وكما قالت عائشة : (لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعت النساء من بعده لمنعهن من الذهاب إلى بيت الله عز وجل)؛ نسأل الله الهداية للجميع. لا نريد أن ترتفع الأصوات في المسجد، حتى قال العلماء: إن قراءة القرآن يوم الجمعة بدعة، كل مسجد يأتون له بمقرئ من المرتزقة، ولو عدنا للكتاب والسنة لرأينا أنها بدعة من البدع، ولو دخل الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى مسجد يقرأ فيه هذا المقرئ القرآن لنهاه، ولقال له: اترك الذي يصلي يصلي، واترك الذي يقرأ القرآن لوحده يقرأ، واترك الذي لا يعرف أن يقرأ القرآن يذكر الله ويستغفر الله سبحانه. والعودة إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فوددنا أن تصير المساجد كمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحبيب المصطفى وأيام صحابته. لماذا تبتدعون في دين الله؟ لماذا تؤلفون في دين الله؟ التأليف في دين الله حرام، والزيادة في الدين كالنقص فيه، يجب أن نعود إلى المنابع الأولى لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. إذاً: لابد أن نخفض الأصوات في المساجد، وأن نتقي الله ونعرف أن هذا بيت الله، ويجب أن تكون فيه السكينة والهدوء. ثم قال: (وزعيم القوم أرذلهم)، أي: أن مدير المدرسة مكروه، أو الوزير في الوزارة مكروه، أو مدير المصنع مكروه، أو مدير المستشفى مكروه، أو مدير المؤسسة مكروه، فسبحان الله! نريد الناس تحب الناس، الناس إذا اتقوا رب الناس رزقهم الله حب الناس. ثم قال: (وأكرم الرجل مخافة شره) يعني: الناس تكرم بعض الناس ليس لأنه أهل للكرم، وأهل للاحترام، بل لأنه قليل أدب، ولسانه طويل، فهم يكرمونه مخافة شره. ثم قال: (ولبسوا الحرير)، هذه من علامات الساعة، فيحرم أن نجلس على الحرير وأن نلبسه، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: (واتخذت القينات والمعازف) القينات: جمع قينة، والقينة هي الرقاصة، عندك الآن رقص شرقي ورقص غربي (وروك أند رول) و(التشه تشه تشاه) و(المط مط ماه) والخيبة المتلتلة والبلاء الأزرق، ويقول لك: هناك يا أستاذ رقصة الباليه، ويقول لك: هناك السباحة التوقيعية، يعني: يرقصون في الماء، يعني: الخيبة في البر وفي البحر، وهناك مدارس للرقص، ويقول لك: كل هذا دليل على حضارة الشعوب، والإسلام ليس دليلاً على حضارة الشعوب! يعني: هؤلاء الذين جاءوا إلى المسجد ليصلوا ويستمعوا إلى العلم لا يدل عملهم هذا على الحضارة حسب زعمهم، مع أن هؤلاء سبب نزول رحمة ربنا على العباد، اللهم اجعلنا من أسباب رحمتك لعبادك يا رب العالمين! واجعلنا من عمار بيوتك في أقصى الشمال وأقصى الجنوب يا رب العالمين. قال: (أن يلعن آخر هذه الأمة أولها)، يعني: هؤلاء الذين يخوضون في الصحابة من الرافضة وغيرهم. إذا ظهرت هذه العلامات فانتظروا خسفاً من السماء أو مسخاً وريحاً حمراء، وبلايا تتابع وراء بعضها، نسأل الله العفو والعافية.
علامات أخرى من العلامات الصغرى
من علامات الساعة الصغرى: تحول أرض العرب مروجاً وانحسار الفرات عن ذهب
جاء في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً خضراً). يعني: الجزيرة العربية تتحول إلى مروج خضراء، فقد كانت خضراء ثم تحولت إلى صحراء، وها هي الآن ترجع خضراء، فالقمح الآن يزرع في السعودية وتصدر منه، ونحن في بلد النيل نستورد القمح، وهذا من مضحكات الزمن، بلد فيها إحدى عشرة كلية زراعة، وكم ألف خريج منها، وكم فلاح عندنا، والماء موجود، ومع ذلك نستورد القمح، كل هذا بسبب الذنوب. فتحت البنوك الربوية، وانتشرت الفوضى في المجتمع، والآفات تأكل الزرع، كان ينام بعد العشاء ويقوم الفجر، والآن يسهر قدام التلفزيون حتى الساعة الثالثة، وينام ولا يقوم إلا في الظهر، ومع ذلك نريد أن ينزل الخير. وفي الحديث الذي رواه مسلم : (لا تقوم الساعة حتى ينحسر نهر الفرات عن كنز من ذهب، أو عن جبل من ذهب يتقاتل الناس عليه، يقتل من كل مائة تسعة وتسعون لا ينجو إلا واحد، يقول: ربما أنا الذي أفوز بالكنز) الذهب أنواع معروفة، هناك ذهب أبيض، وذهب أسود، وذهب أصفر، والذهب الأصفر الذي تلبسه النساء، والذهب الأبيض هو القطن، والذهب الأسود هو البترول.
من علامات الساعة الصغرى: ذهاب بركة الوقت وتكلم السباع مع الإنسان
لا تقوم الساعة حتى تذهب البركة من الوقت، فيتقارب الزمان، فيصير العام كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، وهذا قد حصل، فالبركة منزوعة من الوقت. وسئل أبو حنيفة : في كم يوم تختم القرآن؟ قال: في الصلاة أم في خارج الصلاة؟ قالوا: هذا له ختمة في الصلاة وختمة خارج الصلاة، قالوا: في الصلاة؟ قال لهم: في صلاة الليل، أم في صلاة النهار؟ إذاً: كانت عندهم بركة في الوقت، أما في وقتنا فقد نزعت البركة من الوقت، ومن الأعمار، ومن الرزق، نسأل الله أن يعيد البركة إلينا مرة أخرى.
من علامات الساعة الصغرى: تكلم الجمادات
من علامات الساعة: أن تكلم السباع الإنس، وأن يكلم المرء عذبة سوطه، وأن يحدثه فخذه بما أحدث أهله من بعده. أول علامة من هذه الثلاث: أن تكلم السباع الإنس، كان هناك يهودي اسمه أهبان وكان معه قطيع من الغنم يرعاها في المدينة، فطلع عليه ذئب وخطف عليه نعجة من النعاج، وجرى الذئب بالنعجة وجرى أهبان وراءه، فترك الذئب النعجة، وأقعى، أي: قعد على المؤخرة ورجليه الخلفيتين، وقال: يا أهبان ألا أدلك على خير من ذلك؟ فـأهبان تعجب وقال: ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب منه نبي بين هذه النخلات هاجر من مكة إلى يثرب، يحدث الناس بما مضى، وبما هو آت، إن آمنت به دخلت الجنة. فقال له: من يرعى الغنم؟ قال له: لا تخف سأرعى لك غنمك حتى تعود، فذهب أهبان وقال لجماعة من أقاربه: هناك رسول بعث، وهاجر من مكة إلى يثرب، قالوا: اسمه محمد وهو الآن في دار بني النجار، فذهب أهبان إلى الحبيب ونظر إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أهبان ! ماذا قال الذئب لك؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ورد هذا في الحديث الصحيح. أيضاً من علامات الساعة: أن تكلم الرجل عذبة سوطه أي: طرف السوط، وهذا لم يحدث في زمن الصحابة، لكن في عصرنا قد تسمع المذياع أو المسجل. أيضاً من العلامات: أن يحدثه فخذه بما أحدث أهله من بعده، ممكن تجعل المسجل أو سماعة الهاتف في مكان مخفي وتسجل امرأتك وتسمع ما تقوله امرأتك في غيابك. كذلك: الآن الهاتف فيه شاشة، فالمتصل عليك ينظر إليك عبر هذه الشاشة أثناء الاتصال عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] هذا كله أمام علم الله لا شيء. أيضاً: من علامات الساعة: لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل، والفحش هو الكلام القبيح، والكلام القبيح منتشر في كل مكان. أما البخل فهو موجود.
من علامات الساعة الصغرى: ظهور أراذل الناس وهلاك أشرافهم
أيضاً من العلامات: (وأن يظهر التحوت ويهلك الوعول، قيل: يا رسول الله وما التحوت وما الوعل؟ قال: الوعول أشراف الناس). يعني: الناس المحترمة المؤدبة تختفي وتظهر التحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم. فمثلاً: تجد شخصاً أدخله أبوه الشرطة بالرشوة وتخرج ضابطاً في القسم، فتراه واضعاً رجلاً على رجل مع أن سنَّه (22) سنة، فيأتيه واحد عنده (70) سنة مثل جده، ويقول له: يا ابني، فيقول له هذا الضابط: يا حاج، هذا لو علموه الأدب كان قال له: تفضل يا والدي استرح، صحيح أن هناك ناساً طيبين، لكن مثل هذا يعلمونه كيف يعامل الناس، هناك حصة اسمها: علاقات عامة، مثل: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن يبدو نحن في دول الإسلام أننا متهمون حتى تظهر براءتنا. فمن الواجب على المسلم أن يحسن معاملة كبير السن، ويحسن معاملة أهل العلم.
من علامات الساعة الصغرى: ظهور المسخ في الأمة
يقول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشرٍ وبطرٍ ولعبٍ وخمرٍ ورقصٍ فيصبحون وقد مسخوا قردة، قالوا: ويشهدون أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله؟ قال: نعم، ويشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله). فهذه العلامة لم نرها، ولكن قد يكون المسخ معنوياً، مثل: البراءة التي تبخرت من وجوه أطفالنا، والحياء الذي ضاع من وجوه بناتنا، ربما كان هذا نوعاً من أنواع المسخ (قالوا: يا رسول الله! لماذا يمسخون قردة وخنازير، قال: باتخاذهم القينات والمعازف، وشربهم الخمر، ولبسهم الحرير وأكلهم الربا).
من علامات الساعة الصغرى: افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة
ويقول صلى الله عليه وسلم: (من علامات الساعة أن تفترق أمتي على ثلاث وسبعين شعبة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ما عليه أنا وصحابتي). كيف كان يعامل أمته؟ انظر كيف كانت حياته هو والصحابة وامض على طريقهم.
من علامات الساعة الصغرى: تقاتل اليهود مع المسلمين وتقاتل الناس على الدنيا
يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتقاتل اليهود مع أمتي، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! إن يهودياً ورائي مختبئ تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود)، فأنت لو ذهبت إلى القدس ويافا وحيفا ترى الإسرائيليين اليهود يزرعون شجر الغرقد بكثرة في هذه المناطق؛ لعلمهم بصدق رسول الله من أن الغرقد لا يخبر باليهودي المختفي وراءه. أيضاً: يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يتقاتل الناس على المال والدنيا لا على الدين). أي: أن الناس يتخاصمون على الأموال، ويذهبون إلى المحاكم، لكن لا تجد شخصاً رفع قضية على آخر بأنه سب الدين، أو أنه لا يصلي، أو أنه سب عالماً من العلماء؟ بل كل القضايا والمشاكل والقتال والمقاتلة على الأرض، ومنابع البترول، والأموال، والتركة، والثروة والبيت، نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
من علامات الساعة الصغرى: عدم الوفاء بالعهود
ويقول صلى الله عليه وسلم: (فارتقب الساعة)، بالله عليك أنا أريد صنائعي في مصر يعطيك كلمة ويصدق فيها، نجار، حداد، .. أي حاجة، يقول لك: بكرة سآتيك، وهو من سنة (1975م) لم يأت. مرجت عهودهم، تجد الرجل يقول الكلمة ويقول لك: أنا ما قلت. خطب المطعم بن عديعائشة بنت أبي بكر لابنه، وهو أحد أكابر العرب، وذلك قبل أن يخطبها رسول الله، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة ، فقال أبو بكر : إن المطعم بن عدي قد خطبها لابنه، لكن إن ترك فهي لك، فذهب أبو بكر إلى المطعم بن عدي وقال له: ذكرت ابنتي لابنك، هل ما زلت عند رأيك وعند كلامك؟ فقالت امرأة المطعم بن عدي : يا أبا بكر ! لا نعطي ابننا لابنتك فيكفر بدين آبائه وأجداده ويدخل في دين محمد، فـأبو بكر كأنه لم يسمع كلامها، قال: ماذا قلت يا مطعم ؟ قال له: الرأي ما سمعت، ففرح أبو بكر ؛ لأن السيدة عائشة ستكون زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم. ثم قال: (فإن وراءكم أيام الصبر القابض على دينه فيها كالقابض على الجمر، وأجر الواحد منهم كخمسين منكم، قالوا: بل منهم يا رسول الله! قال: بل منكم). يعني: الواحد في سنة (1900م) مثل خمسين من الصحابة. ثم قال: (إنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون) أي: أن أبا بكر يجد معه عمر ، و عمر يجد معه عثمان ، و عثمان يجد معه علياً ، لكن أنت يا فلان لا تجد معك إلا شخصاً ييئسك من رحمة الله، ويقنطك من فضل الله، ويجعلك تشهد شهادة الزور.
من علامات الساعة الصغرى: عدم الاستماع إلى العلماء وتدافع الناس الإمامة
قال صلى الله عليه وسلم: (لن تقوم الساعة حتى لا يستمع إلى العليم) أي: كلام العالم يصير ثقيلاً على القلب؛ لأن كل شيء عنده حرام. ثم قال: (ولا يستحيا من الحليم) أي: لا يجد من يسمعه. ثم قال: (قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب) يعني: تجد الواحد عندما يرفع سماعة الهاتف بدل أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تجده يقول: ألوه، وتجد الرجل عندما يتكلم يجعل الطاء تاء، والكاف غير موجودة، والقاف كافاً. كذلك نحن في جميع أنواع العلوم متأخرون، لكن الكوافيرات المصرية ستذهب لتشترك في المسابقات وسيحصلن على المرتبة الأولى. ثم قال: (وأن يكون السلام للمعرفة) من علامات الساعة أنه إذا عرفك سلم عليك، وإذا لم يعرفك لا يسلم عليك، وهذا حاصل. يا رجل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بثلاثين حسنة، ولك في الرد أربعين حسنة، وإن لم يرد فإن الله يرد، يا ليت كل الذين ألقي عليهم السلام لا يردون السلام، قال ابن مسعود : إن الذي يرد هو الله رب العالمين. من علامات الساعة: (وحتى يتدافع الناس الإمامة فلا يجدون من يصلي بهم). يقال: تقدم يا فلان وصل بالناس، قال: أنا لا أعرف، كل هذا بسبب قلة العلم، ولذلك تجد الرجل يقول: يا أخي صليت على ميت فكبرت وقرأت الفاتحة ثم ركعت لوحدي، مع أن صلاة الجنازة ليس فيها ركوع. نقول لهذا وأمثاله: لو تعلمت من الفقهاء والعلماء كيفية صلاة الجنازة كان أولى بك.
من علامات الساعة الصغرى: نزول رجال على أبواب المساجد ونساؤهم كاسيات عاريات
قال صلى الله عليه وسلم: (وحتى ينزل بأبواب المساجد رجال كأشباه الرجال، لهم نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، شعورهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا، إذا رأيتموهن فالعنوهن فإنهن ملعونات). هن كاسيات وفي نفس الوقت عاريات، فهي كاسية من وجهة نظرها ومن وجهة نظر زوجها، فالرجل الديوث يرى امرأته تلبس الفستان المزركش الضيق وتخرج به، هذه كاسية في عرفها وعرف زوجها، لكن في حقيقة الأمر هي عارية. ثم قال: (مائلات) يعني: تتمايل في مشيتها، وسيدنا عمر يصف بنت الرجل الصالح التي جاءت لسيدنا موسى قال: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] قال سيدنا عمر : جاءت غير خراجة ولا ولاجة، وإنما جاءت تلسع. يعني: جاءت تسير كسير الرجل. وقوله: (مميلات)، يعني: تميل نظر الرجال وقلوبهم إليها. وقوله: (شعورهن كأسنمة البخت)، الأسنمة: جمع سنام، والسنام الذي يكون على الجمل، وهناك جمل له سنامان.
من علامات الساعة الصغرى: تباهي الناس بالمساجد
قال صلى الله عليه وسلم: (وحتى يتباهى الناس بالمساجد) يقول لك: بنينا مسجداً في بلدنا سبحان الله، فيتباهى الناس بالمساجد. وأيضاً: تزين المساجد وتزخرف، هذا أحمر وأخضر وأصفر، وآيات قرآنية على الجدران، وغير ذلك. جاء في الحديث: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم). إن شاء الله نذكر بقية علامات الساعة الصغرى، ونبدأ بعد ذلك في علامات الساعة الكبرى. وجزاكم الله خيراً وأشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منقول 6
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:53 PM   #7
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة السابعة


سلسلة الدار الآخرة_علامات الساعة الصغرى
الدكتور / عمر عبد الكافى

من رحمة الله بعباده أن لم يجعل الساعة تأتيهم بدون مقدمات وعلامات؛ ليكونوا على أهبة لها. والعلامات على ضربين: علامات صغرى وعلامات كبرى، فالصغرى جلها قد وقعت إن لم تكن كلها، وهي كثيرة فمنها: زخرفة المساجد، واتخاذها طرقاً، وانتشار القتل، وفشو القلم، وذهاب العلم، وتشبه الرجال بالنساء، وكثرة الزلازل، وإماتة الصلاة، وكثرة الطلاق، وغيرها.
الفرق بين علامات الساعة الصغرى والكبرى
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة السابعة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو الموت وما بعده، نسأل الله في بدايتها أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا! بيننا شقياً ولا محروماً، فك اللهم الكرب عن المكروبين، وسد الدين عن المدينين، اقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، وارحم أمواتنا وأموات المسلمين، كن اللهم بنا رءوفا وعلينا عطوفا، خذ اللهم بأيدينا إليك أخذ الكرام عليك، قومنا إذا اعوججنا، أعنا إذا استقمنا، خذ بأيدينا إذا عثرنا، كن لنا حيثما كنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا شيطاناًً إلا صرفته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. نسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك -يا مولانا- غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير. وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذه الحلقة -بمشيئة الرحمن- هي الحلقة السابعة نكمل فيها ما كان في الحلقة الماضية من علامات الساعة الصغرى، وقلنا: إننا جمعنا مئات الأحاديث وهي بعض علامات الساعة التي جاءت على لسان المعصوم الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فجمعنا لكم ما يقرب من مائة علامة، ربما ذكرنا عناوين لبعض هذه العلامات وأنتم شهود صدق على ما ترون من صدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، فكل ما يقوله ليس كلاماً من عنده أو من ذات اجتهاده، وإنما هو مما علمه رب العباد سبحانه وتعالى. وقلنا في الحلقة السابقة: إن علامات الساعة تنقسم إلى قسمين: علامات صغرى، وعلامات كبرى. والفرق بينهما فرق مهم جداً وخطير ومخيف، فإذا ظهرت بعض أو كل علامات الساعة الصغرى فما زال باب التوبة مفتوحاً، يعني: الذي لا يصلي له أن يصلي، والبذيء اللسان له أن يتوب، والمرتشي له أن يترك الرشوة، والذي ينظر إلى المحرمات له أن يغض البصر، والذي يسمع ما يغضب الله عز وجل أن يترك سماعها، والذي تذهب رجلاه إلى أماكن محظورة له الامتناع عن ذلك، وهكذا. أريد أن أقول: إن علامات الساعة الصغرى إذا ظهرت فما زال باب التوبة مفتوحاً، لكن يحزنني كثيراً أن كثيراً من الحاضرين والمواظبين على دروس الدار الآخرة إن كان الواحد منهم غير مواظب على الصلاة يظل أيضاً غير مواظب عليها، والمسلمة التي أتت المسجد غير محجبة أو منقبة، تخرج بعد درس العلم، وهي متأثرة قائلة: والله كلام لطيف وجميل يؤثر فينا، ثم تعود إلى سيرتها الأولى، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهتر بربه. والحديث عن الدار الآخرة يحرك المشاعر والقلوب القاسية، بل يلينها ويجعلها متابعة لأمر الله عز وجل، ومنيرة بكلام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ، اللهم اجعل قلوبنا من التي تطمئن بذكرك يا رب العالمين…….
فائدة الحديث عن الدار الآخرة
إن الحديث عن الدار الآخرة، ليس مجرد عرض أكاديمي علمي بحت عما يحدث بعد الموت، وإنما نريد أن نبلغ ما بلغه الصادق الأمين سيدنا صلى الله عليه وسلم، ونريد من تبليغنا لكلام الحبيب عليه الصلاة والسلام تحريكاً للمشاعر الإسلامية نحو التوبة والاستقامة، ونحو إقامة مجتمع قائم على الكتاب والسنة، بعيد عما حرم الله، بعيد عن الشبهات، حتى وإن سار الناس جميعاً في طريق الانحراف والزور والبهتان، فإن المسلم مرتبط بما قاله الله وقاله الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي). ونحن ضعنا لما ألقينا كتاب الله وسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم خلف ظهورنا، فأنت ترى الحالة التي وصل إليها المسلمون، أو المتمسلمون ومدعو الإيمان والالتزام، وهم للأسف في الاستماع خبراء، يعني: أستطيع أن أعطي شهادة لكل واحد منكم بأنه خبير استماع، لكن في التطبيق لا أرى خبيراً؛ لأن كثيراً من المسلمين يفصلون ما بين الاستماع والتطبيق، وقد كان الصحابي يسمع الآية فيبادر إلى امتثال قول الله عز وجل. هذا سيدنا أنس لما بعثه الرسول وقال له: (يا أنس ! بلغ المسلمين أن الخمر قد حرمها الله) فذهب أنس ، والصحابة -كما يحكون عن أنفسهم- جلوس يشربون الخمر، والصحابي الوحيد الذي لم يشرب الخمر منذ أن ولد إلى أن حرمها الله هو أبو بكر الصديق ، وهذه تربية ربانية، وعصمة إلهية، اللهم اعصمنا من كل سوء يا رب. لو أن أحداً ابتلي بمصيبة وهو ممن يحضر دروس العلم، فهل سيصبر صبراً صادقاً؟ صبر من وضع الله يده على قلبه، فنزلت البلية والمصيبة على قلبه برداً وسلاماً، لكن إذا نزلت عليك المصيبة وادعيت الصبر وتظاهرت به، فحينها يرفع الله يده، ويكلك إلى نفسك، ويظهر ذلك في فلتات لسانك: بس يعني .. لو يعني .. الموضوع يعني، آه، لكن عندما يضع سبحانه وتعالى يده على قلبك فالأمر هين، اللهم ضع يدك على قلوبنا يا رب العالمين. ولذلك السيدة يوكابد أم سيدنا موسى عليها السلام، لما قال لها ربنا سبحانه وتعالى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39] تأمل كلمة (اقذفيه)، ثم بعد ذلك خذي التابوت واقذفيه في اليم، والقذف: هو رميٌ بشدة، فقال الله لها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39]، فلما رمته خافت؛ لأن لها قلب أم، إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10] أي: هي على وشك أن تقول: ابني ضيعته قبل اثنين وسبعين ساعة، أو وضعته بيدي في التابوت أو في الصندوق ثم رميته، ولو قتلوه بأيديهم لكان أخف من أن أقتله بيدي. فقال تعالى: إِنْ كَادَتْ [القصص:10] أي: أوشكت، لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10]. أي: أن الذي ليس مربوطاً على قلبه ليس مؤمناً، لكن حين تجزع في المصيبة فاعرف أن إيمانك مهزوز، وكذا حين تجزع لموت حبيبك من أب أو أخ أو ابن أو امرأة، أو أي عزيز عليك، فأول ما تفزع فاعرف أن إيمانك مهزوز. وصحيح أنه لا قياس بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسيدنا عمر أنكر، وسيدنا عثمان حصل له ذهول، وقعد علي على الأرض، فما تماسك من الصحابة إلا أبو بكر ، وهو من أقرب الناس إلى قلب حبيب الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحب الناس إليه عليه الصلاة والسلام. إذاً: من سيكون أشد الناس حزناً على موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ النتيجة المنطقية: أن يكون أشد الناس جزعاً هو الصديق وبما أنه كان أشد الصحابة ثباتاً؛ فإذاً هو أشدهم إيماناً، فإيمانه لو وضع في كفة وإيمان الأمة كلها إلى أن تقوم الساعة في كفة أخرى، لرجحت كفة إيمان أبي بكر . إذاً: فالذي ليس مربوطاً على قلبه ليس مؤمناً، قال تعالى: لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10] . فعلامات الساعة صغرى وكبرى، إذا ظهرت علامات الساعة الصغرى فإن باب التوبة يبقى مفتوحاً، أما إذا ظهرت علامات الساعة الكبرى فإن باب التوبة سوف يغلق، والعياذ بالله رب العالمين، فلا تنفع أحداً توبة، ولا ينفع رجوع العاصي، فالذي صلى صلى، والذي زكى زكى، والذي عمل خيراً عمل خيراً، والذي ظلم ظلم، فيأتي ليرجع الحقوق فلا يستطيع، حتى أننا نرى من علامات الساعة الكبرى أن الناس انقسموا إلى قسمين: مجموعة منهم على وجهه هالة من نور تشع، اللهم اجعلنا منهم يا رب. والمجموعة الأخرى على وجوههم غبرة. ويختفي هناك التعامل بالأسماء يعني: لا يوجد محمود أو أحمد أو عبد الكريم أو عبد الحميد أو إبراهيم، وإنما الذي على وجهه هالة نور ينادى: يا مؤمن! والذي على وجهه غبرة ينادى: يا كافر!……
الأحاديث الدالة على العلامات الصغرى
توقفنا في اللقاء الماضي على كل علامة من العلامات الثابتة بنص حديث من الكتب الصحيحة، وأؤكد أن كل حديث من هذه الأحاديث قد عكفت على تحقيقه زمناً، حتى أخرج الأحاديث الصحيحة فقط، يعني: كل أحاديث الدار الآخرة بفضل الله عز وجل، أحاديث محققة منقحة صحيحة، لا حديث ضعيف فيها، وحتى الأحاديث المرسلة إن لم تكن هناك أحاديث تقويها تركناها؛ من أجل الأمانة في نقل العلم، اللهم اجعلنا والسامعين من أهل الأمانة…….
مسخ أناس قردة وخنازير
وتوقفنا عند كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (يمسخ أناس من أمتي في آخر الزمن قردة وخنازير). وفي رواية ابن ماجة : إلى قردة وخنازير، قالوا: ويقرءون القرآن ويشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله؟ قال: نعم، يقرءون القرآن، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قالوا: بم يا رسول الله؟! أي: بم صاروا قردة وخنازير؟ قال صلى الله عليه وسلم: بعكوفهم على اللهو واتخاذهم القينات والمعازف، وبأن يحلوا الربا، وبأن يشربوا المسكرات. وفي رواية ثانية: وبأن يشربوا الخمر، فيصبحون وقد مسخوا إلى قردة وخنازير والعياذ بالله رب العالمين، وقد وضحنا هذا الأمر في دروس مضت.
إعانة المرأة زوجها في التجارة
والحديث التالي يبين علامة أخرى من علامات الساعة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لن تقوم الساعة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة). الصحابة استغربوا، فأن تسمع الحيطان الكلام هذا أمر عادي، لكن أن تعين المرأة زوجها على التجارة فتصبح سيدة أعمال، أو رجل أعمال، جالسة في مكتبها وفيه ثلاثون تلفوناً وسكرتارية، وتتصل بالإسكندرية وببرج هونج كونج، وببرج في طوكيو وفي لندن، سعر الإسترليني اليوم كذا، فهذا مما يستغرب عند الصحابة وغيرهم من الفضلاء. وفي رواية ثانية له: (تعيب) وهي رواية الترمذي ، أي: (تعيب المرأة على زوجها في التجارة)، أي: تقول له: لست حاذقاً، الناس يضحكون عليك، ونحو هذا. انظر إلى حال أم رومان مع زوجها أبي بكر ، وكان من أكبر تجار المسلمين، ولم يضعها بجواره في التجارة، وإنما كانت تربي السيدة عائشة والسيدة أسماء وسيدنا عبد الرحمن وسيدنا عبد الله بن أبي بكر ، وهم أبناء أبي بكر العظماء رضي الله عنهم أجمعين. إذاً: فهي لم تهتم ولم تشغل نفسها بالتجارة مع أبي بكر ، وفي هذا الزمان لم تعد مجرد إعانة، وإنما تحضر وقت البيع وتتدخل بأن تتم الصفقة أم لا. مثلاً: عندك شركة فيها مكتب، وتريد أن تقوم بعمل مقاولة معينة لفلان، فهي لن تنتظرك، وامرأة صاحبك الذي ستتم لها الصفقة قد تعرقل وقد تعقد هذه الصفقة، مثلما وضحنا سابقاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أمركم شورى بينكم، وأموالكم في أيدي سمحائكم أو كرمائكم، وأمركم بين أيديكم، فظاهر الأرض خير من بطنها) والعكس بالعكس (إذا كان أمراؤكم شراركم، وأموالكم في أيدي بخلائكم، وأمركم بين أيدي نسائكم، فبطن الأرض خير من ظهرها) ، وهذا حصل أم لم يحصل؟ حصل.
قطع الأرحام
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقطع الأرحام). ليست رحماً واحدة، وإنما أرحام، وللأسف لا تقابل في هذا الزمان أقربائك إلا في المناسبات القوية، إما في موت أو في فرح، أو في مرض خطير، فإن قيل: هذا ابن خالك، قال: من أين؟ أنا لا أعرفه ولم أره، وهكذا، لأن الأخوات كن متقاطعات. وبعض الآباء يزرعون الضغينة في قلوب الأبناء، فيحقدون على أبناء عمومتهم. فمن أراد أن يبيت في بركة من الرزق وبركة من العمر فليصل رحمه، ومن أراد أن تنزع البركة من رزقه وعمره فليقطع رحمه، اللهم اجعلنا من الوصولين للرحم يا رب العالمين. ولذلك أي امرأة تعمل قطيعة ما بين زوجها وبين أهله فهي قاطعة للرحم، لا يتقبل الله لها صلاة، أي: صلاتها لا ترتفع فوق الأرض شبراً، وكذلك إن قطعت زوجتك عن أهلها بدون عذر ظاهر، ومعنى (عذر ظاهر) كأن تكون خالتها مثلاً تشتغل بشغل معيب، كأن تكون راقصة .. مطربة، ونحو ذلك، فحينها لك الحق أن تقول لها: لا تزوري خالتك هذه، لكن لو كانت خالتها سيدة فاضلة فلا تمنعها. تأتيني شكاوى من بعض النساء، وفيها: زوجي يقول: لا تذهبي عند أمك، كيف يمنع هذا الزوج امرأته عن أهلها؟ إن من حقوق الزوجة عليك طالما أن أهلها بنفس المدينة التي تحيا فيها، أن تزور أهلها ولو كل جمعة مرة، لكن هناك نقطة مهمة، وهي أن أهل الزوجة عند أن تأتيهم يقومون بإفسادها على الزوج فترجع إليه وقد تغيرت طباعها، وكثرت مطالبها، فإياك أن تكون قاطعاً للرحم، وتجعل الناس أيضاً يقطعون أرحامهم. اللهم اجعلنا من الواصلين لأرحامنا يا رب العالمين. ويكفي أن الله يقول لها: (يا رحم! ألا يكفيك أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك)، فمن وصله الله، فنعم الصلة هي والله، اللهم صلنا بك يا رب، ومن قطعه الله، فماذا يبقى له؟ نسأل الله التوبة والهداية.
فشو القلم
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وفشو القلم). معنى: (فشو القلم): انتشار حملة الأقلام المشكوك في أمرها، وليس قلم الصدق، يعني: الذين هم من الكتبة، من الأدباء والصحفيين وأساتذة الجامعة المدرسين، وكل من يكتب وتؤثر كتاباته. انظروا النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لم يتعلم بقلم، يقول له ربنا: اقرأ، قال له الله ذلك على لسان جبريل، قال: ما أنا بقارئ، وكرر عليه الأمر مراراً، وفي الأخير قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]. اللهم علمنا ما جهلنا يا رب.
أنواع التعليم
علم الله الناس ثلاثة أنواع من التعليم: العلم الأول: علم بالقلم، وهذا الذي تعلمناه في المدارس، فإن أتاك أحد وقال لك: أنا أريد أن أعمل شيئاً للإسلام، فأته بعشرين أمياً من الحي الذي أنت ساكن فيه؛ ليعلمهم القراءة والكتابة، فكلما يقرأ أحد منهم في المصحف تأخذ ثوابه إلى أن تموت، وبعدما تموت، فهذا تعليم بالقلم. وهناك تعليم بالتلقين، ومنه ما قال ربنا عن آدم: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] فقد كان هذا بالتلقين، فعلم آدم علماً تلقينياً، وهذا هو النوع الثاني للتعليم. النوع الثالث: علم بغير القلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48]. وهناك نوع من العلم يسمى العلم اللدني، اللهم علمنا من علمك اللدني يا رب، ويدل عليه قوله تعالى: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، العلم اللدني هو العلم الذي يعلم البصائر، فالعلم لا يدخل على البصر أو السمع، وإنما يدخل على البصيرة التي يقول الله فيها: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]. فإن تتق الله يفهمك، وتفسير هذا في الحديث: (من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لا يعلم). سألت امرأة أبي حنيفة فقالت: مات أخي وترك ستمائة دينار، فأخذت من تركته ديناراً -فهي أتته بالمسألة من الآخر، ليس من الأول، ونحن دائماً في مسائل الفرائض، نقول: مات وترك كذا وكذا- فهي تقول له: أخي مات، فأنا أخذت من تركته ديناراً واحداً، فقال لها: لا بد أن أخاك ترك بنتين وأماً وزوجة واثني عشر أخاً وأنت فأخذت ديناراً. فترجمها أبو حنيفة سريعاً، أما نحن لو أتتنا لقلنا لها: اتركيني لغد، ونجلس نحسبها، ونعمل فاصل جدول، ونقول: ربع وثمن وثلث ونصف، وفي رد أو عول. وكذلك في المسألة الغراوية أيضاً، رد سيدنا عمر سريعاً. فاللهم علمنا من علمك يا رب، فهذا اسمه العلم اللدني. إذاً: فشو القلم، المراد به انتشار الأقلام وحملتها، وكل واحد في هذه الأيام يكتب، وليس المراد أن صحفياً ماركسياً أو شيوعياً مثلاً يكتب في الإسلام، أو ممن لا يصلون يكتبون في الإسلام ويفتون. وكان سيدنا ابن عباس يأبى أن يغادر أحداً يعرف أن عنده مسألة فقهية، فيعكف على بابه، وكان يتذلل لأهل العلم، فلا يضرب على أبوابهم، بل يقول: العالم سيخرج للصلاة، فسأنتظره حتى يخرج. وكان رضي الله عنه يقول: العلم يؤتى إليه، ولا يأتي لأحد. ويقول سيدنا ابن عباس رضي الله عنه: ذللت طالباً فعززت مطلوباً، وصدق رضي الله عنه، فقد كان الناس يأتونه لعلمه من مصر ومن جنوب الجزيرة، ومن جنوب شرق آسيا، كلهم يأتون لـابن عباس ؛ لأنه تذلل في العلم، والعلم يريد تواضع متعلميه لا تكبرهم، فحين يأتي الطالب إلى المسجد إنما يأتي ليتعلم ويجلس مع الصالحين، اللهم علمنا من علمك يا رب العالمين. إذاً: (فشو القلم) انتشار الأقلام، وهؤلاء يضافون إلى خطباء الفتنة، الذين يفسدون أفكار الناس بأقلامهم، فهذا رجل كبير السن يقول: أنا كنت أتمنى أن موسيقار الجيلين أو موسيقار الأجيال لما مات بدل أن يعملوا نشيد بلادي بلادي أو السلام الوطني وهم يدفنونه، كان الأولى أن يأتوا بعازفين للحن مجنون ليلى وهم في الدفن، يا أخي اتق الله، فقد مات، ربنا يغفر للجميع، وهذه مسألة تخص الله عز وجل ليس لنا فيها دخل، يا رجل! اسكت، أأنت تحض على طاعة؟ تقول: بدل أن يدفنوه بالسلام الوطني، بلادي بلادي، يدفنوه بلحن مجنون ليلى، أين الحياء؟ اتقوا الله يا ناس فينا، والناس يقرءون هذا الكلام ويقولون: والله هذه فكرة جميلة كيف جاءت له؟ وطبعاً جاءت له من الشيطان. إذاً: معنى: (فشو القلم) انتشار حملة الأقلام الفاجرة.
كثرة شهادة الزور
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (كثرة شهادة الزور). انظر جوار مجمع المحاكم، على باب القسم، ستجد تحقق هذه العلامة، تجد المحامي يقول لموكله: يا أستاذ! ألا يوجد عندك شهود عدول؟ فيقول: لا، فيقول له: أصحابك، فيقول: ليس عندهم فراغ، وكان الشاهد قديماً بخمسين قرشاً، فادفع الآن مبلغاً مناسباً؟ وتأخذ من أحد شهادة زور، ثم يذهب الاثنان إلى نار جهنم والعياذ بالله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياك والشرك بالله، وعقوق الوالدين) وكان متكئاً فاعتدل؛ لأن الذي سيأتي خطير هو بعد الشرك بالله، وبعد عقوق الوالدين فقال: (ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور) حتى قلنا: ليته سكت. أي: ليته لم يكن كررها؛ لأن هذا الأمر خطير، أي: شهادة الزور، فلا تقل: أخي حكى لي حكاية فذهبت وشهدت معه في المحكمة؛ بل إن رأيت بعينيك فبها وإلا فلا، أي: لابد أن ترى بعينيك. رجل جاء يشهد عند الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقال له: تعال، وأخذه بيده خوفاً عليه من النار، وذهب به خارج المسجد بعد صلاة العصر، والشمس لازالت واضحة، فقال له: (أترى الشمس؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: على مثلها فاشهد أو دع) أي: على مثل قرص الشمس ينبغي أن تكون شهادتك، فقال الرجل: اعفني من الشهادة يا رسول الله. فالأمر خطر، فإذا كنت رأيت الحق شيئاً واضحاً بيناً فاشهد وتوكل على الله. انظر إلى سيدنا علي رضي الله عنه كيف شهد شهادة الحق، ذهب ابنه الحسن يخطب من قبيلة همدان، فلما صعد علي المنبر، قال: أيها المسلمون! بينكم قبيلة همدان، وأنا أحبهم، وابني الحسن ذهب ليتزوج منهم، وهو مزواج مطلاق. -أي: يتزوج كثيراً ويطلق كثيراً- إن شئتم فزوجوه، وإن شئتم فالأمر بأيديكم. انظر إلى الصراحة، ولم يقل: هذا ربيب بيت النبوة، وسيدنا الحسن سيد شباب أهل الجنة هو و الحسين . فقال زعيم القبيلة: يا أمير المؤمنين! كيف نرفض أن تضع ابنتنا شفتيها مكاناً كانت توضع فيه شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن ، وتكون ابنتنا تقبله أيضاً في المكان الذي قبله الرسول صلى الله عليه وسلم، فسر سيدنا علي من الإجابة وقال: لو كنت بواباً على باب جنةٍ لقلت لهمدان ادخلوا بسلام يعني: أنهم ماداموا يحبون بيتي وآل البيت و الحسن ابني فهؤلاء ناس أهل كرم. أتت امرأة بابنها وعمره سبع سنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما له؟ قالت: لا يتكلم يا رسول الله! فقال: كوباً من الماء يا أنس ، وأخذ قليلاً من الماء، فوضعه في فم الولد. فقال الولد: السلام عليك يا رسول الله. إذاً: فحذار من شهادة الزور، ولو كانت لأقرب قريب، وإن استفتيت في موضوع فقل بما يرضي الله، وبما ترى، ولا تقل: ما رأته سيادتك! اللهم اجعلنا من أهل الصدق، وأبعدنا عن شهادة الزور يا رب العالمين.
كتمان شهادة الحق
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وكتمان شهادة الحق) هذه عكس الأولى. دخلت امرأة على شريح القاضي تبكي بكاءً مراً، تقول: زوجي ظلمني أيها القاضي! وتبكي، والقاضي يرى مثل حالتها كل يوم، وقد عرف المغزى، فقال له من بجواره: أيها القاضي مظلومة، قال له: وما الذي أدراك؟ قال: ألا ترى بكاءها؟ فقال له: إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون، وقد رموا أخاهم في الجب، أي: جاءوا بعد غياب الشمس من أجل الدموع الكاذبة لا تكون واضحة، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الصدق. فإياك وكتمان شهادة الحق، وإن طلبت منك شهادة، فلا تقل: وأنا مالي؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283].
قبض العلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم) معنى: (يقبض العلم) أي: أن الله سبحانه وتعالى يميت العلماء الصالحين، فيكون العالم الملتزم الذي لا يخاف في الله لومة لائم بضاعة نادرة، فلا يبقى إلا علماء السلطة في كل مكان. ولما مات الملك فؤاد كان عمر ابنه فاروق ست عشرة سنة ونصف سنة، وكان دستور المملكة المصرية أيامها أن الملك لا يصعد للملك إلا عندما يكون عمره ثماني عشرة سنة، فكيف العمل بالملك فاروق ؟ أتوا بثلاثة أو أربعة من الأزهريين، ولا أغتاب العلماء، فهؤلاء أساتذتي وعلمائي وتعلمنا على أيديهم، وهذا المعهد له فضل على الآلاف المؤلفة بل الملايين على مر الزمن، اللهم أعده إلى ما كان عليه من الحق يا رب العالمين. إذاً: فأتوا بعلماء من الذين يريدونهم، من أصحاب القوانين، فقالوا: كيف نجعل عمر فاروق ثماني عشرة سنة؟ فقالوا: نحسب سنه بالشهور الهجرية، والشيطان ينفث في روع أهل الفتاوى الباطلة فأوصلوا عمره إلى ثماني عشرة سنة، فصدر المرسوم بأنه الملك، فقللوا المدة، وهو لم يكمل ثماني عشرة سنة كاملة، ولكن ضيقوا المدة جداً، وبعدما تولى رجعوا سنه حقيقة مرة ثانية، سبحان الله! فهذا من انتزاع العلم، فليست العبرة بكميته، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يميت العلماء الصالحين، الأول فالأول، فلا يبقى في الناس إلا جهال) الحديث سماهم جهلة رغم علمهم؛ لأنهم يفتون الناس فيَضلون ويُضلون والعياذ بالله، والمصيبة أنه يقول لك: حطها في رقبتي! ولماذا تحمل رقبتك؟! وما عساها أن تحمل رقبتك؟ فلا تجعل في رقبتك إلا شيئاً تعرفه، والله اعلم. بينما كان سيدنا عمر رضي الله عنه يمشي وجد امرأة حاملاً، فلقيت أمامها أمير المؤمنين فجأة، والمفاجأة التي حصلت لها أنها لما وصلت البيت أسقطت الذي في بطنها، فأشتكى زوجها لأمير المؤمنين، جئت أشكو إليك منك، فماذا حدث؟ قال له الرجل: لقد رأتك زوجتي على حين غرة فخافت منك، وأنت رجل مهيب، فسقط ما في بطنها. فخاف سيدنا عمر ، فصعد المنبر وقال: أيها الناس! بينما أنا سائر في الطريق إذ التقيت بامرأة فجأة، فسقط ما في بطنها أعلي شيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين! فقال سيدنا علي : يا أمير المؤمنين! إن كانوا قد نصحوك فقد غشوك، ويوم القيامة لن ينفعوك، عليك غرة، يعني: عليك دية؛ لأن هذا قتل خطأ. ومثال قتل الخطأ: أن يمشي أحد ببندقية ولقي عصفوراً على الشجرة، فرمى العصفور، ونفذت الرصاصة من الشجرة إلى بلكونة فقتلت إنساناً، فهذا قتل خطأ، ونقول للقاتل: عليك مائة ألف جنية، وهي عدل مائة ناقة؛ لأن الناقة بألف جنية؛ لذلك أحذر الذين يعملون عملية إجهاض، فلينظروا كم مرة قتلوا ثم ليضربوا في مائة ألف!
كثرة الزلازل
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل). عندما تسمع هذا الكلام لا تملك إلا الصلاة والسلام على رسول الله. قوله: (تكثر الزلازل) من فضل الله عز وجل أن حزام الزلازل العالمي موجود في شرق إيران وغرب المغرب وجنوب السودان وشمال مصر، وعندما تنظر الخريطة تجد العالم الإسلامي داخل حزام الزلازل، والزلازل بعيدة عنه بفضل الله عز وجل، وعمل خبراء الجيولوجيا في جزيرة العرب بحثاً عن الزلازل، أي: هل سيوجد زلزال فيها أم لا، فلم يجدوا أي أثر لأي ثورات بركانية محتملة تحت الجزيرة العربية، وبالذات في منطقة مكة والمسجد النبوي الشريف، وتجد إيطاليا فيها زلازل، وبينها وبين مصر البحر الأبيض، وفي ناحية غرب إيران تقع الزلازل، وحزام الزلازل بعيد عنا، وهناك عند البربر، وهناك جماعة البوليساريو، وتجد هناك أناساً في الجنوب مشركين. وقد حدث زلزال بسيط على زمن سيدنا عمر ، فقال: أيها الناس! لا تتزلزل الأرض إلا لذنوب صنعت فوقها، فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا يرحمكم الله، اللهم! لا تهلك أمة محمد وعمر بينهم.
تقارب الزمان
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويتقارب الزمان) المراد: نزع البركة من الوقت، وفي الحديث: (السنة كشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة) مر علينا أسبوع من الدرس الماضي وكأنه أمس. فلا بركة في الوقت، ومن أجل ذلك قطع الناس الأرحام؛ لأن المسافة تأخذ وقتاً من الإنسان. أحد الصالحين ذهب يحج من الشام، فكلما كان يمشي مرحلة، ينزل ويريح الدابة، ثم يصلي ركعتين، هذا غير الفرائض طبعاً، فالذين معه جلسوا يحسبون له، فقالوا: صلى ألفي ركعة، واحزناه لنزع البركة من الوقت. اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وبارك لنا في أعمارنا، وبارك لنا في أموالنا، وبارك لنا في أبنائنا وبناتنا وذرياتنا وزوجاتنا، إنك يا رب العباد على ما تشاء قدير.
ظهور الفتن
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتظهر الفتن) أظن الفتن هذا الوقت متعددة متنوعة. يسألني رجل فيقول: أصحيح يا شيخ أو أمعقول أن يمد ولد يديه على أمه؟ يقول: نجد الكثير ممن ضرب أباه أو أمه، أو بصق على وجه أبيه، أو طرد أمه من الشقة، هل هذا حقيقي؟ أقول: حقيقي في حالة واحدة فقط، ولعل السبب: أن الزوج أبا الولد عندما جاء يتزوج امرأته أكل عليها مؤخر الصداق، ونوى ألا يؤديه لها، فكأنما يزني بزوجته، أو يكون الزوج كثير الحلف بالطلاق، فطلق امرأته أكثر من خمس عشرة مرة، ويعيش معها، ويكون مع امرأته في الحرام، ورزق بولد يضرب أباه وأمه؛ لأنه ابن حرام والعياذ بالله، لا تفسير عندي إلا ذلك، أما ابن من صلب أبيه وصلب أمه، فلا يمد يده بالفطرة على والديه، ولا لسانه أيضاً، ولن يكره أباه ولا أمه فطرة، اللهم اجعل أبناءنا بررة بنا، واجعلنا بارين بآبائنا أحياءً وأمواتاً يا رب العالمين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وتظهر الفتن)، الفتن والبلايا كثيرة. رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرة من غزوة في السنة السابعة من الهجرة فقال: (مالي أرى الفتن تتساقط على بيوتكم تساقط المطر)، أي: الفتن تتساقط على بيوت الصحابة، أما على بيوتنا فكيف؟! ماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: (اتقوها بتقوى الله)، تقوى الله ألا يجدك حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك.
كثرة القتل
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويكثر الهرج)، أي: القتل، كم حادثة تقرؤها في الجرائد عن القتل، فرجل قتل امرأته، وآخر قتل أباه، وثالث قتل ابن عمه، وهكذا. وفي رواية ثانية: (لا يدري القاتل لم قتل، ولا المقتول لم قتل). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رفع على أخيه حديدة فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله) هذا لم يضرب، وإنما رفع فقط، أما الذي يضرب وبالذات الضرب على الوجه، فأمره عظيم، فاحذر أن تضرب امرأتك على وجهها، أو تضرب ابنك على وجهه، أو تضرب العامل الذي عندك على وجهه؛ لأنه في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته، فمن صفع مسلماً - والعياذ بالله - كأنما صفع وجه رب العباد سبحانه). كان الرسول يؤدب بالسواك، ولم يكن يضرب، فما ضرب بيده امرأة قط، وما ضرب بيده إلا في سبيل الله، في صلى الله عليه وسلم، ولنا فيه أسوة حسنة، وكان يهدد أنساً فيخرج له السواك ويقول: يا أنيس ! لولا مخافة القصاص يوم القيامة لأوجعتك ضرباً بهذا السواك، فهذه منتهى قسوة سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.
فيضان المال
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ويفيض المال). كيف يفيض المال؟ أي: يكثر، وليس فيه بركة، في الحديث الثاني: (حتى تعطي الصبي المائة دينار فيستقلها). كان سيدنا عمر يذهب ليحج ويرجع بستة عشر درهماً، يعني: بأربعين قرشاً، فتجد من يتفلسف ويقول: سعر الذهب كذا، ويقول: قرأت في الأهرام منذ أسبوعين حلقات في تحليل الربا، أو تحليل الفوائد، فأقول: اقرأ براحتك يا أخي! اقرأ حتى الصبح، فالربا حرام. فالمسألة: أن المال كثير ولكن ليس فيه بركة، تأتي للولد بمائة جنية فيقول لك ماذا أفعل بها؟! هل أشتري بها بنطلون أم جزمة أم قميص؟ وكان الأمر عند أجدادنا القريبين، يعن: سنة 1900م أيام الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه، فتجد أحدهم بمائة جنية يعد باشا، لكن في هذا الوقت صار الكل باشا.
علو أهل الفسق في المساجد
ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن من علامات الساعة علو أهل الفسق في المساجد) وما دخل أهل الفسق في المساجد؟ تخيل أن مائة عالم من فقهاء المسلمين، التابعين لرابطة العالم الإسلامي في مكة، وأشرف أن أكون عضواً فيها، أصدرنا فتوى سنة 1407هـ بتحريم السجائر؛ بناء على واحد وثلاثين سبباً، فليس لسبب واحد أو اثنين، وإنما لواحد وثلاثين سبباً، يعني اجتمعت اللجان العلمية وقررت إصدار الفتوى وتخيل هذا الحرام وهذه الرائحة السيئة تكون داخل بيوت الله فماذا تقول؟ ولما أن يلحق بالمساجد دور مناسبات، تلاقي رائحة السجائر تدخل على المصلين، وتجد أن المساجد تحدث فيها والعياذ بالله سرقات، فمن قائل: صندوق النذور الذي للمسجد الفلاني استرق منه 54000 جنيه. ومن علو أهل الفسق في المساجد والعياذ بالله، أن تجد واحداً أول مرة يدخل الجامع، ويكون الإمام قد أخر الصلاة قليلاً، فتجده يقول: الآذان! الإقامة! وتجده بعد ذلك يقول لك: إن من السنة أن تخفف الخطبة قليلاً، فلا تطولها هكذا، فأقول: سأخفف الخطبة إلى 25 دقيقة، مثلما تقول الأوقاف، لكن آخذ راحتي في الصلاة مثلما فعل الرسول، وسأقرأ جزءاً من البقرة في الركعة الأولى وهذا تخفيف فهل سترضى؟! وربنا يجعلنا وإياكم في المسجد كالسمك في الماء، إن خرج منه مات، اللهم اجعلنا من أهل المساجد ومن المحبين لها ولأهلها يا رب العالمين.
ظهور أهل المنكر على أهل المعروف
قال صلى الله عليه وسلم: (وظهور أهل المنكر على أهل المعروف). ماذا يعني علو أهل المنكر على أهل المعروف، اذهب إلى قسم شرطة لتكتب محضراً وأنت ملتح تلبس جلباباً من الذين يقال عليهم أصحاب الجوامع، ودع راقصة من الراقصات تدخل في الوقت نفسه لكن تكون مشهورة! فبالله عليك لمن ينظر بعين الاحترام؟ إليك يا متطرف أم إليها؟ التفسير واضح وبين. انظر سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، يعطيك العلاج فقال: (علو أهل الفسق على أهل التقوى) أي: علو أهل الفجور على أهل البر، وعلو أهل الانحراف على أهل الصلاح، عندما تأخذ الضرائب من رقاصة مليون جنيه ونصف، للتصالح فقط، أما لو كانوا متخاصمين كان سيأخذون عليها كم؟!
إماتة الصلاة والاستخفاف بالدماء وبيع الدين بالدنيا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهرت في أمتي هذه الخصال فارتقب الساعة) وهذا الحديث رواه ابن ماجة و الترمذي . (إذا أماتوا الصلاة). معنى: أماتوا الصلاة أي: أن الصلاة ليس لها صوت، حتى القناة الثانية ليس فيها آذان، تأتي الموسيقى الحزينة التي تشبه الموسيقى الجنائزية هذه، فتعرف أن الأذان جاء، وبعدها تتابع المسلسل الأجنبي، تابعه وخذ راحتك في الحرام. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واستخفوا بالدماء). أي: صار الدم عند الناس رخيصاً، مع أن نقطة دم مسلم تساوي عند الله الكثير، بل في الحديث: (لهدم الكعبة أهون عند الله من سفك دم مسلم) فأين سيذهب من شنق الناس وتعذيبهم وقتلهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وباعوا الدين بالدنيا) العاقل يبيع دنياه بدينه، فيربحهما جميعاً، وإن كان ممن يبيع الدين بالدنيا فسيخسرهما جميعاً. سيدنا سعيد بن جبير رحمه الله، لما أتى به الحجاج من أجل أن يقتله، وكان سعيد بن جبير من عظماء التابعين رضي الله عنه، فقال له: ما اسمك؟ قال له: اسمي سعيد بن جبير ، قال: بل أنت شقي بن كسير، فقال له: أمي سمتني سعيداً . انظر إجابات الناس المؤمنين بهدوء، قال له: لقد سعت في هلاكك، فيرد عليه سيدنا سعيد ويقول له: الغيب يعلمه غيرك، أي: هذا العلم ليس بيديك، قال له: لأبدلنك من دنياك ناراً تلظى، يرد سيدنا سعيد فيقول: لو أعلم أن ذلك لك ما اتخذت إلهاً غيرك. أي: لو أن ييديك الجنة والنار كنت سجدت لك، لكنك عبد مثلي. فأتوا له بخشبة وصلبوه عليها، وكلما عدلوا الخشبة بعيداً عن القبلة أبت إلا أن تتجه ناحية القبلة بجسم سعيد رضي الله عنه، قال: ألقوه على وجهه، قال سيدنا سعيد : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، قالوا: اطرحوه أرضاً، قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، فلما قتل سعيد بن جبير رضي الله عنه، عاش الحجاج بعدها سبعة أيام، وفي كل يوم يرى سعيد يجري وراءه بسيف، فيقوم فزعاً، جاءت له حالة عصبية، ومات من هذا الخوف والعياذ بالله رب العالمين. فإياك وظلم المسلمين أو استحلال دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
ضعف الحكم وكثرة الطلاق والقذف وموت الفجأة ونزول المطر قيظاً
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ويكون الحكم ضعفاً) أي: يكون عدم اتخاذ القصاص وحدود الله، فيسرق السارق، ويتلاعب بالمرتبات بلا حسيب أو رقيب؛ لأن الحكم ضعف. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ويكثر الطلاق). أي: يتساهل الناس بالطلاق، لأتفه الأسباب، وإن بقيت معه سنين، وقد قال الله تعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]. وقوله عليه الصلاة والسلام: (وموت الفجأة). أي: من ضمن علامات الساعة موت الفجأة، وقد كثر في هذا الزمان، فينبغي للمسلم أن يكون مستعداً دائماً للقاء الله، من أجل إذا جاءه ملك الموت فجأة فهو مستعد للقاء الله عز وجل، وموت الفجأة راحة للمؤمن، وحسرة على الفاجر. وقوله عليه الصلاة والسلام: (وكثرة القذف). أي: يقذف الناس بعضهم بعضاً؛ لأنه لا حدود تقام، أما لو كانت الحدود مقامة فلن يشتم أحد أحداً في أمه، فإما أن يأتي بأربعة شهود، وإما أن نجلده ثمانين جلدة، وعندما تقذف أمه أرأيتها تعمل ذلك؟ لا يجوز هذا ولو كنت تمزح معه، فإن كان معك ثلاثة شهود غيرك سلمت من الحد وإلا فتجلد ثمانين جلدة، بالله عليك هل كان يكثر الكلام في هذا؟ كتحية الصنايعية في الصباح، ولا يغضب من وقعت هذه الكلمات على رأسه، فلابد أن نقولها بصراحة، وماذا نفعل؟ فكثرة القذف من علامات الساعة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (وكان المطر قيظاً). أي: بعد ما ينزل المطر بالرحمة ينزل بالعذاب، أرأيتم السيول التي في بنجلادش ماذا تعمل؟ نسأل الله السلامة، سيول تقتلع القرى.
كثرة اللئام
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وفاض اللئام فيضاً). أي: اللئام من كثرتهم يفيضون كفيضان البحر، قالوا لسيدنا أبو حنيفة رحمه الله: يا أبا حنيفة ! كم عدد مجانين العراق؟ فابتسم سيدنا أبو حنيفة ، وقال: أنا على عد عقلائهم أقدر. وفي هذا الوقت تجد الصغير ابن أربع سنين لئيماً، تخاف من نظراته، بعدما كان قديماً وديعاً بريئاً؛ لأن كثيراً من الأمور ما يعرفها، وأطفالنا ولله الحمد فيهم ذكاء، يكلمني أحدهم بالإنجليزي: KG1 يعني: في أولى حضانة، ويقول أحدهم لأمه: يا ماما من أين جئنا؟ فتقول له: من عند ربنا، وقالت كذلك لأنها لا تستطيع أن تفهمه بالضبط، فتقول له: من بطني، أو إن ربنا سبحانه وتعالى جعلك في بطني كذا، وكبرت بطني، ثم خرجت.
فجور الأمراء وكذب الوزراء وخيانة الأمناء والقراء فسقة
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة) تجد أمين مخزن أو أمين اللجنة يختلس، وطالما أنه لا يوجد أمان ولا نصح، فليس إلا الخسار والدمار. هناك شركة النفط من سنة 1952م وهي في خسارة مستمرة؛ لأن الأمناء خونة. قال: (والقراء فسقة). بعض القراء يتاجرون بالقرآن وهذا فسق، والفسق هو الخروج عن الحق، وذلك كمن يقرأ ويأخذ خمسة آلاف جنية في الليلة.
مخالفة الباطن للظاهر
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا لبسوا مسوح الضأن، قلوبهم أنتن من الجيف، وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة، يتهاوكون فيها كما تهاوك اليهود الظلمة). يعني: تجد المرء يلبس لباساً نظيفاً جداً وتنظر إليه وتقول: هذا واحد لا أفضل منه، ثم يكون لصاً مرتشياً مختلساً مرابياً، سيئ الخلق، لا يتقي الله ولا يحافظ على الصلاة، ولا يزكي ماله، وإنما هو مظهر فقط، فلان ذهب وفلان أتى. ومعنى (يلبسون مسوح الضأن) أي: يلبسون ما ليس لهم، أو يقولون ما ليس حقاً، مثلاً: مدير مكتب، يقول للسكرتير: من سأل عني فقل له: أنا غير موجود، وهو بالداخل.
كثرة الخطايا والغلول وتحلية المصاحف وزخرفة المساجد
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء). كل واحد في موقع يغل، قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] ربنا سبحانه وتعالى سيجعلها غلاً في عنقه، والعياذ بالله رب العالمين. وقوله صلى الله عليه وسلم: (وحليت المصاحف). تنظر إلى المصحف في هذا الزمان في علبة ذهب، المصحف بخمسة جنيهات، لكن العلبة بـ جنيهاً، ويعطونه رشوة لأستاذ المادة، فانتفع هو بهذا نتيجة قيامه بهذا العمل. لكن إن فعلنا حفلة تكريم لأحد وأعطيناه هدية فهذه ليست رشوة؛ لأن الرجل قد مضى، فمن باب شكره وإكرامه نعطيه هديه؛ لأنه قد تعب معنا طوال مدة الخدمة، وأسلوبه كان طيباً، فنحن نكرمه، فمن باب الوفاء إكرامه، والإسلام يحض على هذا. وقوله عليه الصلاة والسلام: (وصورت المساجد). صورت -بالصاد- يعني: كان فيها زخارف تلهيك عن الصلاة، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول للذي يبني الجامع: لا تحمر ولا تصفر ولا تخضر، وإنما أكن الناس من الحر والمطر والبرد، وإنما أبني أربعة حيطان وسقف، وليس كل ما في المساجد يبقى، وإنما تشغل الناس عن الصلاة. وقوله عليه الصلاة والسلام: (فالدمار عليكم) يعني: الهلاك، قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (لا تزخرفونها ثم لا تعمروها إلا قليلاً) صدقت يا رسول الله! تلاقي مساجد بالفدان، وعدد المصلين فيها قليل.
تطويل المنابر وتخريب القلوب وتعطيل الحدود
وقال عليه الصلاة والسلام: (وطولت المنابر). اليوم طولت المنابر، يكون ارتفاعه عشرين درجة أو نحوها، أما يكفي أن يجعل ثلاث درجات! فلا أشرف ولا أعلم من رسول الله عند الله. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وخربت القلوب) (خربت) أي: أنها لا تبقى عامرة بالإيمان، فاحذر أن يكون صدرك ضيقاً. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وعطلت الحدود). أبو بكر و عمر و عثمان كانوا قاعدين حول النبي صلى الله عليه وسلم مستغربين، أمعقول أن تعطل الحدود؟! من سنة 1922م ونحن الآن داخلون على سنة 1992م أي: منذ 70 سنة، لما طبقوا الحدود في الحجاز، فأقاموا الحدود فقطعوا أيدي أربعة سرق، وتجد من يقول: هذه لا إنسانية، وهل الإنسانية أنه يسرقني؟ فربنا رحيم، قال: اقطع يده فقط، ولو أقيمت الحدود وقطعت أيدي اللصوص، فستختفي كل السرقات، وهكذا إن أقيمت سائر الحدود، فالانحرافات التي على الساحة ستختفي كلها.
تشبه النساء بالرجال والعكس والاستهانة بالأيمان والشهادة من غير طلب وكثرة الشرط وبيع الحكم واتخاذ القرآن مزامير
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء). أحياناً لا يعرف الرجل هو مع من، أمع عزيزة أم مع محمود؟ وذلك لتشبه الرجال بالنساء. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وحلف بالله). ألم يكن الصحابة يحلفون بالله؟ بلى كانوا يحلفون، لكن لفظ الجلالة عندهم كان عظيماً، لا يؤتى به في أبسط الأشياء. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وشهد المرء من غير أن يستشهد). هذا كحال من وجد سيارتين ارتطمتا ببعضهما فمباشرة يقول لأحدهما: أنت غلطان، ولم ير ما حصل. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وعلت أصوات الفسقة في المساجد) والعياذ بالله. (وبيع الحكم) وهذا وقع، كما يحصل في الانتخابات ونحوها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وكثر الشرط) أي: الشرطة. (واتخذ القرآن مزامير). وعندما يدفن أحد قريباً له، يأتي أناس يقرءون القرآن، فيحرفون ويغيرون، وتكون قراءتهم بصوت جماعي، ولم يرد جواز قراءة القرآن جماعياً إلا في التعليم فقط، ثم بعد قراءتهم يريدون مالاً.
اتخاذ المساجد طرقاً
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (والمساجد طرقاً) أي: أن يبقى المسجد طريقاً فقط، فيدخل الإنسان ليتوضأ أو ليقضي حاجته ثم ينصرف، يعني: يستخدم المسجد كدورة مياه، أما أن يصلى فيه، أو تحضر الدروس العلمية فليس هذا عند كثير من الناس. فهذه خمسة وتسعون علامة من علامات الساعة الصغرى، وكلها ظهرت، ولم يبق إلا أن تطلع الشمس من مغربها، أو أن تظهر الدابة، أو ينزل المسيح عليه السلام، أو أن يظهر المسيخ الدجال ، أو الدخان، أو يأجوج ومأجوج، وعندئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. أيها الأخ المسلم الكريم! إنها دروس مرعبة ومخيفة حقيقة، تعرفنا أصول ديننا وأحكامه، فليعد الإنسان إلى رحاب ربه، ولندع عسى أن تكون ساعة من ساعات الإجابة: اللهم اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، اللهم اختم لنا بالإيمان يا رب العالمين. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، وعلماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع، ومن بطن لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن دعاء لا يسمع. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، انصرنا ولا تنصر علينا، اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به الجنة، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وانصرنا على من عادانا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الأحباب! يعز على الإنسان أن يدعكم مدة، وتتركون في قلب المسلم وقلبي فراغاً كبيراً، فإني أحبكم في الله عز وجل، وأنتم أحبتي في الله، جمعنا الله وإياكم دائماً في كل ما هو خير، وجمعنا وإياكم على تقواه وطاعته، وعلى الاستقامة على طريقه، إن ربنا على ما يشاء قدير. لا تنسونا أبداً من صالح دعائكم، واجعلونا في بالكم دائماً، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجاب إن شاء الله، وأنا لن أنساكم أبداً إن شاء الله من الدعاء. جزاكم الله عني خيراً، وبارك فيكم وبوركتم دنيا وأخرى، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

منقول 7
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 04-30-2011, 11:59 PM   #8
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة الثامنة


سلسلة الدار الآخرة_علامات الساعة الكبرى
الدكتور/ عمر عبد الكافى

للساعة علامات صغرى وكبرى، والعلامات الصغرى نذير وتنبيه لتحقق العلامات الكبرى، وأول علامة من علامات الساعة الكبرى هي طلوع الشمس من مغربها ثم ظهور الدابة تكلم الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون، ثم خروج الدخان ثم يظهر المسيح الدجال ثم ينزل المسيح عليه السلام فيقتله، ثم يخرج الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق.
سؤال الجنة والاستعاذة من النار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً … وبعد: فقد تحدثنا في الحلقة السابقة وهي الحلقة السابعة عن علامات الساعة الصغرى، وتواعدنا أن تكون الحلقة الثامنة وهي حلقة اليوم إن شاء الله في علامات الساعة الكبرى، وأريد أن أكرر ما أقوله دائماً: إن الحديث عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده أو عالم الغيب بعد أن تفيض روح الإنسان إلى بارئها وينزعها الملك الموكل بقبض الأرواح فإن كانت صالحة فهي في روضة من روضات الجنة إلى أن تقوم الساعة، وإن كانت غير ذلك فهي في حفرة من حفر النار إلى أن تقوم الساعة، والعياذ بالله رب العالمين. نسأل الله أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأن يدخلنا وإياكم جنته بدون سابقة عذاب، ولقد قال لنا الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الترمذي : (إن المسلم إذا انفتل من صلاته) وفي رواية ثانية: (إن المؤمن إذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله عز وجل الجنة قالت الجنة: يا ويح هذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله أن يدخله عندي. وإذا انفتل المؤمن من صلاته ولم يستعذ بالله من النار، قالت النار: يا ويح هذا امتثل من صلاته ولم يستعذ بالله مني ومن حري، وسعيري، وأغلالي، وسلاسلي. وإذا انفتل العبد من صلاته ولم يسأل الله عز وجل أن يزوجه من الحور العين، قالت الحور العين: يا ويح هذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله عز وجل أن يزوجه منا). فهذا الحديث يدل على فضل الدعاء، والدعاء مخ العبادة، فالمؤمن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، عسى أن تكون ساعة الدعاء من ساعات الإجابة؛ فأهل الجنة سيقعدون مع بعض ويتذاكرون الدنيا وما عملوا فيها. إن العبد سيكتشف أن كتاب أعماله فيه الضلال والهداية، والانحراف والاستقامة، ما بين ما اسود من صفحات وما ابيضت اللهم اجعل صفائح كتبنا بيضاء يا رب العالمين! رئي الإمام مالك في المنام بعد موته، والرؤيا لا تحقق قاعدة شرعية، ولكن رؤى الصالحين كلها خير، وكان الذي رآه هو تلميذه الليث بن سعد إمام أهل مصر، ولولا أنه لم يكن له تلاميذ لوصلت شهرته إلى ما وصل إليه مالك ، و الشافعي ، و أبو حنيفة ، و أحمد ، وبسبب أنه ليس عنده تلاميذ فقد انطمر ذكر الليث بن سعد إلا للمتخصصين الذين يبحثون عن تاريخ الصالحين، اللهم الحقنا بهم يا رب العالمين. فـالليث رأى أستاذه مالكا في المنام ففرح به فقال له: ماذا صنع الله بك يا مالك ؟ فقال: لقد غفر الله لي، وذلك أني كلما رأيت جنازة كنت أقول: سبحان الحي الذي لا يموت. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله له بها درجات)، فرب كلمة واحدة يقولها صاحبها فيدخل الجنة بها. والعكس أن الكلمة من سخط الله قد تضيع الدنيا والآخرة. وقال سيدنا داود عليه السلام: يا رب! أكرمتني، وأنعمت علي، وألنت لي الحديد وجعلت الجبال تؤوب معي وتسبح، والأنهار والمياه تقف عن الجريان عند سماع صوتي وأنا أقرأ الزبور، يا رب! أنا أريد أن أشكرك. قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، وسأل سيدنا داود ربه ومولاه فقال: يا رب! كيف أشكرك على نعمك الكثيرة؟ قال: يا داود! احمدني بأي كلمات شئت. فقال: لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقالت الملائكة: يا رب عبدك داود قال كلمة لم نجد عندنا حسنات نكافئه عليها ونضع له في الكتاب، فقال: يا ملائكتي! اكتبوها كما هي وأنا الذي سوف أجازيه عليها يوم القيامة. وسيدنا ركانة كان مصارع العرب، فأتى المدينة ليزور قريباً له. فدخل المسجد النبوي وصاح فيه بأعلى صوته أنه يريد أن ينتقم من النبي عليه الصلاة والسلام ويأخذ حقه منه بيده، فانزعج الصحابة انزعاجاً شديداً وقاموا إليه قومة رجل واحد، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فلاطفه بالقول، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. ودخل رجل على الحجاج فقال له: يا حجاج ! لقد أوتيت ما لم يؤته رسول الله. فقال الحجاج : وما هو؟ قال: قال الله لرسوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وأنت يا حجاج ! فظ غليظ القلب وما انفضضنا من حولك إلا لأنننا خائفون من بطشك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لـركانة أنت ركانة ؟ قال له: نعم أنا ركانة ، قال: أتصارعني يا ركانة ؟ قال له: يا محمد! لا تحرج نفسك أمام أصحابك قال له: لو صرعتك أتسلم؟ قال: نعم، فتصارعا فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى والثانية والثالثة فقال ركانة : لابد وأن الذي يغلبني بقدرة غير بشرية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فأحب الرسول والإسلام والصحابة والمدينة، ثم أتى بعياله وامرأته وعاش في المدينة. (وكان ركانة واقفاً مع بعض الأنصار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ووضع يديه على عيني ركانة ثم قال مازحاً: من يشتري هذا العبد مني؟ فقال ركانة : إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله! فقال رسول الله: ولكنك عند الله لست بكاسد). وكان صلى الله عليه وسلم دائم التبسم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله. فـركانة يريد أن يأخذ تصريحاً من فم الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه ليس كاسداً عند الله في الدنيا والآخرة وإنما هو عند الله غال، فالمهم أن الإنسان يثبت على كلمة التوحيد، وعلى كلمة الحق والصدق واليقين نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصدق في القول والعمل والفعل إن ربنا على ما يشاء قدير. وعلامات الساعة الصغرى قد ظهرت ورأيناها كلها رأي العين، فقد ثبت صدق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ظهور علامات الساعة الصغرى. وإذا كان الصحابة قد أيقنوا بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في علامات الساعة وإن لم تظهر في زمانهم، فإننا قد رأينا هذه العلامات على مر الزمن التي تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله لنا، وهذا نذير لأن يتوب العبد إلى ربه، وأن يستيقظ من غفلته. وسيدنا الإمام الشافعي صلى بالمسلمين صلاة الصبح فلما انتهى من الصلاة اقترب منه رجل فقال له: كيف حالك يا إمام؟! فقال له: كيف حال رجل وكتاب الله شاهد عليه، وسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم تأمره بالمتابعة، والشيطان يحثه على الشهوات، والعيال يشغلونه بالقوت، والنفس تمنيه وتشجعه على طول الأمل؟ فمن حقق هذه الأمور أيقن أن الله عز وجل سوف يأخذه على حين غرة، ولذلك لما مات الشافعي رحمه الله رآه تلميذه الوراق في الرؤيا فقال له: كيف حالك يا إمام؟! فبكى الشافعي وقال: حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا هكذا تصنع الملوك بالمماليك يرفقوا إن قلبي يقول لي ولساني يصدق كل من مات مؤمناً ليس بالنار يحرق وعلامات الساعة الصغرى تربو على المائة وقد ظهرت كلها ولم يبق إلا علامات الساعة الكبرى. وعلامات الساعة الكبرى قد يعجب العبد منها؛ لأنها لقلة إيماننا وضعف يقيننا نظن أنها أمر شبه مستحيل، لكن الصحابة فقد أيقنوا أن ما يخرج من فم الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صدق كله وحق، فما علينا إلا أن نصدق بما جاء في الكتاب وفي السنة على لسان الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم…….
علامات الساعة الكبرى
وعلامات الساعة الكبرى ست علامات واحدة وراء واحدة، وأول علامة تظهر فإنه يغلق باب التوبة ويغلق باب العمل، فمن الواجب أن نكون في حالة من الرعب والخوف؛ لأن العلامات الصغرى نذير لنا لنصحو من غفلتنا، وإن لم نصحو فلن نصحو إلا على علامات الساعة الكبرى، فإذا ظهرت أغلق باب العمل، وأغلق باب القبول، وأغلق باب التوبة، فلا يقبل عمل عامل لم يعمل من قبل. أما المؤمن فعمله مستمر، فالمؤمن المواظب على الصلاة سيكون مواظباً عليها بعد ظهور علامات الساعة، والذي يزكي ويعمل الخير فإنه سيستمر على هذا الفعل. أما الفاسق أو الفاجر أو الظالم الذي لا يريد أن يتوب فإنه لا يوفق للتوبة، وقد كان باب التوبة مفتوحاً له سنوات طويلة…….
طلوع الشمس من مغربها
فظهور علامات الساعة الصغرى تنبيه ونذير لعلامات الساعة الكبرى. فأول ما يظهر من علامات الساعة الكبرى كما في رواية الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ثم تظهر الدابة فإذا ظهرت إحداهما فالأخرى على أثرها)، رواه الشيخان ، و الترمذي ، و أبو داود ، و ابن ماجة ، والإمام أحمد في مسنده. فأول علامة من علامات الساعة الكبرى: إما أن تطلع الشمس من الغرب، أو تظهر الدابة، فلو ظهرت الدابة فإن الشمس ستشرق من الغرب، أو إذا طلعت الشمس من الغرب فسيكون على أثرها ظهور الدابة. وسيصبح الناس في يوم من الأيام ينتظرون شروق الشمس من مشرقها كما تشرق منذ ملايين السنين من المشرق، والسماء صاحية ليس فيها غيم، وفجأة إذا بصائح يصيح: إن الشمس قد أشرقت من مغربها، قال تعالى: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]. وسيحصل للناس ذعر لكن الله يثبت المؤمن الملتصق بجماعة المسلمين، وبأهل العلم، الذي دائماً تعودت رجلاه على المساجد آناء الليل وأطراف النهار، فهو يصلي ويسبح ويذكر الله ويقرأ القرآن ويتوكل على الله وعنده يقين وصدق وإيمان وثبات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستطلع من المغرب أربعين يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وبقية الأيام كأيامنا في الدنيا) أي: أن اليوم يعادل ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وإن كانت السنة قمرية هجرية فإن اليوم يعادل ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً. وحال الصحابة ليس مثل حالتنا، قال له: كيف نصلي يا رسول الله؟! الصحابي أول ما سمع الشمس تطلع من الغرب وتقعد سنة خطر في باله وأهمه أمر آخرته فقال: كيف نصلي في اليوم الذي يكون كسنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (اقدروا لهذا اليوم قدره) ، يعني: أن ما بين المغرب والعشاء -مثلاً- ساعة ونصف، وبين العشاء والفجر سبع ساعات، وبين الصبح والظهر ست ساعات، وبين الظهر والعصر ثلاث ساعات ونصف، وبين العصر والمغرب ثلاث ساعات ونصف. والفتوى لإخواننا المسلمين الذين هم في ألاسكا شمال كندة حيث إن الليل عندهم ستة أشهر والنهار كذلك، وأناس آخرون يكون النوم عندهم ساعتين، واثنتان وعشرون ساعة تكون نهاراً، فإنهم يبدءون بالتوقيت من طلوع الفجر، ويحسبون ساعات الصيام كما تكون في مكة وهي أم القرى، ويفطرون بعد مرور هذه الساعات ولو كانت الشمس في كبد السماء. فمثلاً: لو أن الفجر يكون في الساعة الثالثة وأم القرى تصوم خمس عشرة ساعة، فإنك تحسب خمس عشرة ساعة من بداية طلوع الفجر في الثالثة ثم تفطر بعد ذلك ولو كانت الشمس في كبد السماء. ومن سافر صائماً من مصر مثلاً إلى أمريكا فإنه سيصل إلى أمريكا والشمس لا تزال في السماء خاصة إذا كانت مدة الرحلة تتجاوز العشرين ساعة فإن عليه أن يمسك ويفطر معهم ويعرف ذلك عن طريق الساعة التي في يده، ولو أن الشمس ما زالت في كبد السماء؛ لأن دين الله عز وجل صالح لكل زمان ومكان. فالشمس ستطلع في أول يوم كسنة، وثاني يوم كشهر أي: ثلاثين يوماً، وثالث يوم كجمعة أي: أسبوع، ورابع يوم إلى غاية اليوم الأربعين كأيامنا في الدنيا.
علامة ظهور الدابة
وأول علامة من علامات الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها ثم تظهر الدابة التي جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]. وهذه الدابة تسمى الجساسة؛ لأنها تجوس في الأرض يعني: تتجول وتنتقل في بقاع الأرض، وتضع حافرها في آخر ما يقع عليه بصرها، وستمكث أربعين يوماً. ولها ثلاث علامات: أنها تخرج من ناحية اليمن، ومن ناحية مكة، ومن ناحية المدينة، فأول ما تخرج من اليمن فإنها تدخل الحرم المكي ومعها عصا موسى وخاتم سليمان وتدخل على المصلين في المسجد الحرام، وبعد ذلك تدخل كل المساجد في كل البلاد، فتلمس وجه المنافق، والفاجر، والمنحرف، والمرتشي، والمختلس، والزنديق، والظالم بعصا موسى، فيبقى أسود الوجه عليه كآبة وغبرة، وتلمس وجه المؤمن بخاتم سليمان فينور وجهه مثل القمر. فتختفي الأسماء بين الناس فلا يتعارفون فيما بينهم بالأسماء كما كانوا عليها في الدنيا، وإنما يعرف بعضهم بعضاً بيا مؤمن ويا كافر، فمن كان وجهه منوراً فيدعى مؤمناً، ومن كان وجهه مسوداً فإنه يدعى كافراً أو فاسقاً. وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم ، والإمام الترمذي من حديث تميم الداري رضي الله عنه وكان نصرانياً فأسلم فصار صحابياً، وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقص عليه القصة، وكان الرسول قد شرح للصحابة علامات الساعة الكبرى، فلما جاء تميم الداري من سفره وأعلن إسلامه، وحكى ما رآه في سفره هو وثلاثين من النصارى فوافق كلامه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. والجساسة تجس في الأرض وتتنقل، وسرعتها كالريح المرسلة، فتنكشف الأمور للمسلمين من طلوع الشمس من مغربها وظهور الجساسة أو الدابة. وجماعة من العلماء يقولون: إن الدابة هي الفصيل الذي ولدته ناقة سيدنا صالح عليه السلام، وذلك عندما قتل الناقة أشقى قوم سيدنا صالح، قال تعالى: انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:12]، وقال: فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [القمر:29]، والتعاطي يكون بشرب الخمر، فهو لكي يقدم على هذا العمل شرب خمراً ثم اقترب من الناقة فضربها فقتلها فأسرع فصيلها أي: ابنها فاختبأ في جبل من الجبال. وهذه الرواية ليست على درجة من الصحة لكن ذكرتها من باب الأمانة في العلم، وقد كان الإمام القرطبي رضي الله عنه ينقل في تفسيره مثل هذه الروايات الضعيفة، وكان يقول: وليست هذه من حقائق العلم ولكنها من ملح التفسير. وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحدث عن بني إسرائيل لكن لا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لا يتعارض مع نص من نصوص الكتاب أو السنة، فنأخذ بالكلام ما دام وأن فيه عبرة وعظة، وبنو إسرائيل كان فيهم أناس صالحون وفي قصصهم لنا عبرة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111]، اللهم اجعلنا من المعتبرين يا رب العالمين! أما قولهم إن دابة الأرض هي فصيل ناقة صالح، فإن ناقة صالح -أصلاً- كانت معجزة عربية، فقد كان لقوم صالح معرفة بالجبال والصخور المحيطة بهم، قال تعالى عنهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:149]، فهم خبراء بمداخل الجبال ومخارجها، والمغارات، والكهوف، والتلال، والهضاب، فقال لهم نبي الله صالح: ما رأيكم لو أخرجت لكم ناقة من الجبل الذي بجواركم؟ قالوا: الجبل قطعة واحد لا يخرج منه شيء، فخرجت الناقة معجزة فكانت تشرب الماء كله في يوم، وتسقيهم كلهم لبنها في يوم وهكذا. والحاصل: أن الدابة تظهر فيستبشر المؤمن، أما الكافر فيختم على علمه، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالإسلام.
علامة الدخان
وبعد ظهور الدابة تظهر العلامة الثالثة من علامات الساعة الكبرى ألا وهي الدخان، قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10]، أي: بدخان واضح، يظلل الناس فوق رءوسهم، فيكون على رأس المؤمن مثل قليل الزكام يقع عليه، وعلى رأس الكافر، والفاسق، والفاجر، والمنافق، كنيران تغلي فوق رءوسهم. ولما حاصر المشركون الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات حتى أن سيدنا سعد بن أبي وقاص بعد ما هاجر إلى المدينة وحكى للصحابة الجدد عن هذا الحصار، فقال لهم: لا تتاجروا معهم ولا تطعوهم أكلاً ولا شرباً ولا تعملوا لهم خيراً قط. وما انحاز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بنو هاشم وبنو المطلب جميعاً مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب ، فأقارب النبي صلى الله عليه سلم الكفار انحازوا معه في الشعب فحصل لهم قطيعة ومقاطعة ما عدا أبا لهب عمه. فسيدنا سعد يحكي عن هذه المقاطعة فيقول: كنا نأكل مع الرسول صلى الله عليه وسلم خرط القتاد، والقتاد نوع من الشجر له شوك ينبت في الصحراء في جزيرة العرب، فكنا ندقه ونأكله من شدة الجوع، وبينما أنا أسير ليلاً إذ وقعت رجلي على شيء رطب فوضعته في فمي فابتلعها فوالله! ما أدري إلى اليوم ما الذي ابتلعته. وكانت صحيفة المقاطعة معلقة على جدار الكعبة بجوار الحجر الأسود ومكتوب أولها (باسمك اللهم) ثم أكلت الأرضة بنود المقاطعة وما تركت فيها إلا باسمك اللهم، فلما انتهت القطيعة دعا عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، فحصل قحط في قريش وتوقفت التجارة، واستجيبت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه كان يحصل لأغنياء قريش وفقرائها دوخة من قلة الطعام والزاد، فذهب أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد! أسألك بالله وبالرحم أن تدعو الله أن يفك عنا ما نحن فيه. ولما نقضت قريش العهد الذي جرى بين المسلمين والكافرين في الحديبية، أيقنت قريش بالخزي والعار والهلاك فأرسلت زعيمها ورئيسها أبو سفيان لكي يحاول أن يمد في بنود معاهدة صلح الحديبية مرة ثانية، فاستجار بـأبي بكر فقال له: يا أبا سفيان ! أنا لا أجير على رسول الله أحداً أبداً، ثم ذهب إلى عمر فرد عليه بمثلما رد عليه أبو بكر ، وذهب لسيدنا علي فرفضه كذلك، ثم ذهب إلى ابنته أم حبيبة وزوجة سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وهي أم المؤمنين السيدة رملة بنت أبي سفيان ،فدق عليها الباب ففتحت له، فرأت أباها زعيم قريش، فدخل البيت فأراد أن يقعد على فراش سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فطوته من تحته، وقالت له: هذا فراش النبي صلى الله عليه وسلم وأنت رجل نجس، فقال لها: لقد أصابك سوء من بعدي يا أم حبيبة ! وقال بعض العلماء إن الدخان في قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10]، هو الدخان الذي حصل لقريش، ولكن بعض العلماء قالوا: إن هذه الآية مدنية ونزلت في المدينة فيبقى إذاً أن الدخان علامة من علامات الساعة الكبرى.
علامة ظهور المسيخ الدجال
العلامة الرابعة من علامات الساعة الكبرى وهي أخطر العلامات وأشد العلامات قسوة، وأشدها على المسلمين، ألا وهي ظهور المسيخ الدجال . والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحذر الصحابة من المسيخ الدجال حتى قال عمر : كنت انظر خلفي خشية أن يمر من جواري، فهذا يدل على مدى اقتناع الصحابة بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فرأى عمر مرتبكاً، فقال: (يا ابن الخطاب ! فإن ظهر وأنا بينكم فأنا حجيجه، وإن ظهر من بعدي فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مؤمن). و المسيخ الدجال مخلوق من بني آدم خلقه الله عز وجل، وآخر فتنة تظهر في الأرض هي فتنة المسيخ الدجال ، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس المسيخ الدجال أخوفني عليكم، إنما أخاف أن تفتح عليكم الدنيا فينسى بعضكم بعضاً، فينساكم رب السماء عند ذلك)، وهذا قد حصل فقد فتحت الدنيا. وزكاة الركاز تؤخذ من الركاز وهو المعادن مثل: آبار البترول، فيؤخذ منها عشرون في المائة، أي: الخمس، أما زكاة الذهب والفضة وما يلحقها كالعملات المعدنية فزكاتها ربع العشر أي اثنان ونصف في المائة، وزكاة الزرع فيها خمسة في المائة أو عشرة في المائة أي: فيها العشر أو نصفه، أما زكاة المعادن ففيها عشرون في المائة؛ قال صلى الله عليه وسلم: (أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فينسى بعضكم بعضاً، فينساكم رب السماء عند ذلك). فالله عز وجل جعل قوت الفقير في فضل مال الغني، فما جاع فقير إلا بتخمة غني، فالفقير الذي لم يجد ما يأكل يبقى الغني أكل أكثر من حقه. قال أبو ذر أتعجب من الفقراء الذين لم يجدوا ما يأكلون لماذا لم يخرجوا السيوف فيطالبون الأغنياء بحق الله عندهم؟ قال ربنا: وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:19]. والصحابة كانوا واضعين في آخر عمودين في المسجد النبوي الشريف حبلاً، فيعلق فيه الغني زكاة مال أو الصدقة فتذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتوزع في مصارفها. وفتنة المسيخ الدجال آخر فتنة تظهر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أوصاف المسيخ الدجال أنه جعد قطط، أي: شعره مجعد، وعينه اليسرى كالعنبة الطافية، فهو أعور، وهو آدم بحمرة، أي: أسمر بحمرة، قليل الطول له بحة في صوته، أي: أنه مبحوح الصوت مثل الذي عنده سعلة ويتكلم فكذا صوته. وكل هذه العلامات لا تظهر إلا للمؤمن، أما الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يتقي الله فلا يعرف هذه العلامات. ومن العلامات أيضاً أن المؤمن يقرأ على جبهته كلمة كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم فسر ذلك فقال: (يقرأ المؤمن على جبهته كفر ك ف ر). والمؤمن يتغلب على المسيخ الدجال بالمداومة على قراءة فواتح سورة الكهف وخواتيمها في كل ليلة قبل أن ينام. ومن العلامات أيضاً أنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، وسرعته في الأرض كالريح المرسلة، ويدخل كل بلد وفي كل مكان ما عدا ثلاثة أماكن وهي: بيت المقدس، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، فإنه يأتي إلى حدودها ويحاول أن يدخلها قال صلى الله عليه وسلم: (إن على أبواب المدينة ملائكة يحفظونها من شياطين الإنس والجن)، فليس هنالك شياطين تدخل المدينة المنورة. فتخرج المدينة المنافقين الذين يعيشون فيها لكي يتبعوا المسيخ الدجال ، قال صلى الله عليه وسلم: (فتنفي المدينة خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد). أما أتباعه فهم كما أخبر رسول الله بقوله: (أتباعه ثلاثة أصناف: اليهود، والمنافقون، والنساء)، وعدد اليهود سبعون ألفاً من يهود أصفهان من ناحية إيران. ويخرج المسيخ الدجال ما بين العراق والشام، ويعيث في الأرض فساداً، وقد أعطاه الله من الإمكانيات ومن الخوارق للعادات ما ينبهر بها ضعفاء الإيمان. والمسيخ الدجال أكثر أتباعه من اليهود والمنافقين والنساء؛ لأنهم أتباع كل موضة، فمنذ أربعين سنة والرجل اليهودي بيكر صاحب الموضة في الملابس النسائية. أما المؤمنات اللاتي يحضرن دروس العلم واللاتي يعرفن أوامر الله ونواهيه فلا يخرجن فيتبعن المسيخ الدجال . وأول ما يخرج المسيخ الدجال فإنه يدعي الإيمان ثم يدعي النبوة ثم يدعي الألوهية، ولا يقول لهم إنه الله رب العالمين وإنما يقول: معي جنة ونار، فيعرفه المؤمن فيقول: اخسأ يا لعين! والله ما ازددت بك إلا كفراً وأنت المسيخ الدجال الذي حذرنا الرسول منه. وسيأتي على الناس خمس سنوات فيها قحط أي: كساد عالمي فيقول للسماء: أمطري فتمطر، ويقول للأرض: أنبتي الزرع فيطلع الزرع، ويا ضروع البهائم امتلئي فتمتلئ لبناً، فهذه فتنة عظيمة، ولذلك فإن الصحابة خافوا وسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن طعام المؤمنين حينئذ، فقال: (طعام المؤمنين يومئذ كطعام الملائكة)، والملائكة لا يأكلون ويشربون، وإنما طعامهم التسبيح، والتهليل، والتقديس، والتكبير، فالمؤمن يقول: سبحان الله فيشبع، والحمد لله فيشرب، ولا إله إلا الله فيرتوي. فإذا كان طعام رواد الفضاء كبسولات فيها جميع أنواع الفيتامينات والعناصر التي يحتاجها الجسم وأقل كمية إخراج. فمن باب أولى ما يصنعه رب العالمين للمؤمنين، فالله على كل شيء قدير. ويأتي إليه شاب مؤمن فيكذبه فيضربه الدجال بسيفه فيتخيل المحيطون به أنه انقسم إلى نصفين وإنما هو سحر، ثم يرجعه مرة أخرى، فيقول الشاب المؤمن: والله! ما ازددت بك إلا كفراً، فإن ربي الله لا تراه العينان، قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]. وعندما يزداد الابتلاء على المؤمنين يستغيثون الله ويدعونه أن يرفع عنهم هذا البلاء، فيستجيب الله دعاءهم ويرحمهم فينزل المسيح عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهرودتين أي: ثوبين، أو جلابية وعباءة، أو جلابيتين، أو قميص وعباءة، إذا طأطأ وتتقاطر من جبينه حبات عرق كالجمان أي كالفضة، وإذا رفع رأسه علاه البهاء عليه السلام، أي: أن وجهه منور، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، فـالمسيخ الدجال يقتله سيدنا عيسى عند باب لد في فلسطين. وفي هذا إشارة أن إسرائيل ستزول إن شاء الله وبإذن الله فلا تطبيع علاقات معهم، فنحن أعداء اليهود وسنظل أعداء اليهود إلى أن تقوم الساعة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من طليعة الزحف الذي يحرر بيت المقدس ويعاد إلى المسلمين إن شاء الله رب العالمين. فيلقى المسيح عليه السلام المسيخ الدجال على باب لد فيذوب المسيخ الدجال كما يذوب الملح في الماء، ثم يدخل عيسى ابن مريم مساجد المسلمين ويطمئن المؤمنين على إيمانهم ويتفاءل المسلمون بوجود المسيح بينهم حتى إذا أقيمت الصلاة في مسجد من المساجد يقول الإمام للمسيح: تقدم يا نبي الله! فيقول: بل تقدم أنت فأنا تبع لأخي محمد، فالإمام يمثل الرسول صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام يصلي مأموماً تواضعاً منه. وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة بالمسلمين، أي: صلاة الصبح- وقال: ليلزم كل مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) أي: الله ورسوله أعلم في قصد أمور الدين، أما في أمور الدنيا فيقول المسلم: الله أعلم فقط. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة -أي: ما جمعتكم لرغبة في الجنة ولا لرهبة من النار- ولكن جمعتكم؛ لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع فأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنتم أحدثكم عن مسيح الدجال ، فحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من قومه، فلعب بهم الموج شهراً -أي: تاهوا في البحر لمدة شهر- ثم أرفوا إلى جزيرة -يعني: رسوا على الشاطئ- حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة، ثم دخلوا فلقيتهم دابة كبيرة كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره- يعني: لا يعرفون وجهه من ذيله -واسم الحيوان يجوز أن يؤنث ويذكر- فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطاناً -أي: خفنا أن تكون من الشياطين؛ لأن العرب كانوا مقتنعين أن هنالك شياطين وغولة- قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقاً وأشده وثاقاً -يعني: أنه مقيد بسلاسل من حديد ومربوط لجدار الكهف- مجموعة يداه إلى عنقه -أي: أنه مكتف ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد- قلنا: ويلك من أنت؟! قال: قد وصلتم إلي فأخبروني من أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا سفينة بحرية فصادفنا البحر حين هيجانه، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فلقينا دابة أهدب الشعر لا يدري قبلها من دبرها من كثرة الشعر فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قال: اعمدوا إلى هذا الرجل في هذا الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها، ولم نأمن من أن تكون شيطانة، قال: أخبروني عن نخل بيسان في شمال جزيرة العرب؟ قلنا: عن أي شيء تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا نعم، قال: أما إنه يوشك ألا يثمر، أخبروني عن بحيرة طبرية؟ -وهي في فلسطين- قلنا: عن أي شيء تستخبر؟ قال: هل ما زال فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، وماؤها عذب، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب). وقد ذكرت في سنة خمسة وسبعين أنه جاءني أحد الإخوة بصورة
نزول عيسى بن مريم
أما قضية سيدنا المسيح عليه السلام ففي نص الحديث الذي رواه الإمام البخاري: (فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهرودتين ممصرتين -يعني: فيهما لون- إذا طأطأ رأسه قطر وإن لم يصبه بلل، وإذا رفعه تجدر منه كالجمان -أي كاللؤلؤ- مربوع إلى الحمرة والبياض -يعني: أن سيدنا عيسى ليس طويلاً ولا قصيراً ولونه أبيض بحمرة- فلا يشم كافر ولا منافق ريح عيسى إلا مات -أي: أن رائحة سيدنا عيسى خير للمؤمن- ورائحته حيث ينتهي إليه طرفه، فيطلب المسيخ حتى يدركه عند باب لد فينماع كما ينماع الملح في الماء -أي: يذوب- فيمشي إليه فيقتله، فتقام الصلاة فيقال: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، ثم يأتي قوماً عصمهم الله من المسيخ الدجال ، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة فبينا هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى : إني أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم -وهم يأجوج ومأجوج - فاخرج بعبادي جانب الطور).
خروج يأجوج ومأجوج
قال تعالى في يأجوج ومأجوج: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الأنبياء:96-97]. وأيضاً: قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف:94-95] إلى قوله: قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف:98-100] إلى آخر سورة الكهف. ويأجوج ومأجوج قبائل متوحشة، والواحد منهم كان ينام على أذنه ويتغطى بالأذن الثانية، وهما قبيلتان ولا يعلم بمكانهما إلا الله. ويأجوج ومأجوج مذكوران في القرآن والسنة ونحن نصدق القرآن والسنة، وما يقوله بعض الناس إن الأقمار الصناعية قد اكتشفت كل شيء في الأرض فأين يأجوج ومأجوج؟ فلا يلتفت إليه فنحن لا نصدق الأقمار الصناعية ولا غيرها. و يأجوج و مأجوج سيعيثون فساداً في الأرض فيأتون على بحيرة طبرية وفيها قليل من الماء فيشرب أولهم فيأتي آخرهم فيقولون: (لقد كان في هذه البحيرة ماء منذ زمن طويل. فيدعو عيسى عليه السلام ومن معه ربنا أن ينقذهم من هذا الخطر الداهم، فيصاب يأجوج ومأجوج بالنغف في رقابهم، وهي مثل الديدان والحشرات فيصبحون وهم أموات، فتأتي طيور لها أعناق كأعناق البخت -أي: الإبل- فترفع جثثهم فتلقيها في البحر ثم يقول الله للسماء: أمطري فتغسل الأرض بمطرها) يعني: أن السيول تأخذ كل البلايا المتبقية من يأجوج ومأجوج. وروى الشيخان و أحمد و الدارقطني و ابن عساكر أن سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم قال: (فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال: مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ [الأنبياء:96]، ويكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم -والذي كان عنده مائة دينار أيام الصحابة كان من أصحاب الملايين- فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى -أي: قتلى- كموت نفس واحدة، ويهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون موضع شبر من الأرض إلا وقد ملئ من زهمهم وهي رائحتهم الخبيثة الباقية، فيرغبون إلى الله في الدعاء، ويرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت فتحملهم وتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله عليهم مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر إلا ويغسله الماء حتى يتركه كالزلقة. ثم يقال للأرض: أخرجي بركتك فيومئذ يأكل العصابة)، والمراد بالعصابة هي العصابة المؤمنة، قال سيدنا الرسول في بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض) ، وليس معناها جماعة من اللصوص أو القتلة كما هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس اليوم. قال صلى الله عليه وسلم: (فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة فتشبعهم، ويستظلون بقحفها، حتى أن اللقحة من الإبل تكفي الفئام من الناس)، أي: الجماعة من الناس الذين يتجاوز عددهم المائة والمائتي رجل، والمسلم بعد أن يأكل طعاماً يقول: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه، أما إذا شرب اللبن فإنه يقول: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه. وقال صلى الله عليه وسلم: (واللقحة من البقر تكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ من الناس، فبينا هم كذلك بعث الله ريحاً طيبة فتأخذ المؤمنين من تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، ويبقى سائر الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر -يعني: تبقى الفاحشة علناً في الشوارع- وعليهم تقوم الساعة). وقال صلى الله عليه وسلم: (ليهبطن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، وليسلكن فجاجها معتمراً أو حاجاً إلى البيت، وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه). يعني: أن سيدنا عيسى سيحج ويعتمر، ويزور قبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهلك الله في زمانه المسيخ الدجال ، ويقع الأمن على أهل الأرض حتى ترعى الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا تضرهم ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويشيع العدل في الأرض، ثم يتوفى بعد أن يمكث في الأرض أربعين سنة، ويصلي عليه المسلمون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فاللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واجعلنا من الذين يعيذهم الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يبعدنا وإياكم من فتن الدنيا وفتن المحيا والممات، وأن يميتنا وإياكم على الإيمان والإسلام الكاملين إن ربنا على ما يشاء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ….

منقول 8
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 05-01-2011, 12:04 AM   #9
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة التاسعة


سلسلة الدار الآخرة_البعث من القبور ويوم الحشر
الدكتور /عمر عبد الكافى

الإيمان بالبعث بعد الموت ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان أحد بدون التصديق به، فنؤمن بأن ربنا سيخرج العباد من قبورهم حفاةً عراة غرلاً بهماً، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. والبعث بعد الموت يكون بعد النفخة الثانية في الصور، فيخرج الناس على إثرها إلى أرض المحشر، وهي أرض بيضاء نقية مستوية، يجمع فيها الأولون والآخرون.
أهمية التنبه للألفاظ
الحمد لله حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة التاسعة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في أولها أن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم القيامة. اللهم ثقل بهذه المجالس موازيننا يوم القيامة، وثبت على الصراط أقدامنا، وأنر طريقنا بها يوم القيامة. اللهم ثبت بها أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام. اللهم أعطنا بها كتبنا بأيماننا، ولا تعطنا كتبنا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً. اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل كيده في نحره. اللهم من أراد بمسلم سوءاً فاجعل كيده في نحره، أوقع الكافرين في الكافرين، أوقع الظالمين في الظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين، اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن. اللهم أبعد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، اللهم أبعد عن أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا وأزواجنا وذرياتنا وأهلينا شياطين الإنس والجن. اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا برحمتك، واغفر لنا واسترنا. اللهم يا من سترتنا في الدنيا لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة. اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، أبعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، أكرمنا ولا تهنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا .. اللهم أكرمنا ولا تهنا، إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصلنا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. اللهم رقق قلوبنا بالإيمان، اللهم وأحسن خلاصنا، وفك أسرنا، وثبت يقيننا، وقو عقيدتنا، وانصر ديننا. اللهم انصر الإسلام والمسلمين.. اللهم انصر الإسلام والمسلمين.. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، حول حالنا إلى أحسن حال.. اللهم حول حالنا إلى أحسن حال.. اللهم حول حالنا إلى أحسن حال، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، لا تجعلها حفرة من حفر النار، ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً. اللهم اجعل من أمامنا نوراً، ومن خلفنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، ومن فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، واجعل لنا نوراً، واجعلنا نوراً. اللهم أكرمنا بالقرآن، وأكرمنا برسول القرآن، اللهم أكرمنا به يا رب العالمين، فرح اللهم قلبه بنا يوم القيامة، اسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم. نسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم تقبل منا دعاءنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة التاسعة التي تخص حلقة من أخطر حلقات الدار الآخرة، وهي تخص الحديث عن البعث والنشور والحشر إلى الله عز وجل. فاللهم ابعثنا مسلمين مؤمنين موحدين، ابعثنا في زمرة الصالحين، في معية رسولك صلى الله عليه وسلم يا رب العالمين. قضية البعث ككل حلقات الدار الآخرة قضية غيبية، ومعنى أنها قضية غيبية، أي: ليس للعقل فيها مكان أو اجتهاد أو رأي، فليس لشخص أن يقول في قضية غيبية: أنا يتصور لي كذا! أو أتخيل كذا! أو أظن كذا! ولكن قضية البعث ككل قضايا وأمور الدار الآخرة، قضية لا إعمال للعقل فيها، وأحزن كثيراً على الإخوة الذين يشغلون أنفسهم بأشياء خارج نطاق قدرتهم؛ فتعطلهم عن حضور مجالس ودروس الدار الآخرة. ودروس الدار الآخرة هي عبارة عن دروس تقوي عقيدة المؤمن، وتفهمه وتعلمه كيف يكون لقاء الله عز وجل، فيكون مستعداً لهذا اللقاء. اللهم اجعلنا من المستعدين للقائك يا رب، حتى نكون من السعداء، لذلك لا ينبغي أن تقول أيها المسلم على ابنك أو ابنتك الذي يمرح كثيراً في البيت: هذا ولد شقي؛ لأن الشقي: من حرم رحمة الله، ولكن قل: هذا ولد متعب، أو عصبي، أو مشاكس قليلاً، فلا داعي لكلمة شقي؛ لأنك حكمت على ابنك بالشقاء، ونسأل الله أن يبعدنا وإياكم عن أهل الشقاء؛ لأن الله يقول يوم القيامة عن الناس: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105]، فاللهم اجعلنا من السعداء في الدارين يا رب؛ لأن كلمة (شقي) قد تؤمن الملائكة عليها، فتخسر الولد دنيا وآخرة، فلا داعي لكلمة (شقي)، كما وضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له اهتمام بمدلول الألفاظ: (جيء برجل مغيب العقل)، ونعرف أن مغيب العقل هو المجنون، فقالوا: هذا رجل مجنون يا رسول الله، فقال: (لا تقولوا: مجنون، قولوا: مصاب، إنما المجنون من حرم رحمة الله عز وجل). إذاً: فالمجنون هو الذي ترك دروس العلم، وترك قراءة القرآن، هو الذي لا يصلي، ونحوه، فهذا هو المجنون الحقيقي، أما لو أصيب شخص في عقله فهو مصاب، نسأل الله أن يشفي كل مريض. إذاً: فالقضية أن يتنبه المرء لمدلول الألفاظ، وموقف الشرع منها…….
علامات السعداء
والسعيد له علامات ثلاث، سأذكر هذه العلامات الثلاث وكل منا سيعرف علته، وهل هذه العلامات موجودة فيه أو بعضها، وهي على النحو التالي: أولها: من ترك الدنيا قبل أن تتركه. أي: المسلم يترك الدنيا قبل أن تتركه بغير رضاه، يعني: يكون زاهداً فيها، ولا مانع من أن يأكل ويشرب ويتمتع قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] أي: ليست هنالك مشكلة في هذا، ولكن المشكلة أن تستخدم ما آتاك الله في إغضابه عز وجل. مثل أن تقول لابنك: لحم أكتافك من خيري، أو تقول لسكرتيرك وسواق سيارتك: أنت لحمك ولحم أولادك ولحم أكتافك من خيري، ثم أقول لك: اعمل الشيء الفلاني لا تعمله؟! ولله المثل الأعلى؛ فمن الذي خلقنا؟ ومن ذا الذي يرزقنا ويعطينا؟ إنما هو الله، فعند أن يأمرني بأمر أعصي أمر الله؟! يا من لا يستطيع أن ينظر إلى وجه أبيه، يا من يقول له: لا تسمع فيقول: بل أسمع، يا من يقول له أبوه: لا تذهب المكان الفلاني فهو سيئ فيقول: بل أذهب! يقول لك: اذهب فصل أو اذهب مجلس العلم فتقول: لا، لا. إذاً: من علامة المسلم السعيد: تركه الدنيا قبل أن تتركه. ثانيها: وبنى قبره قبل أن يسكنه. ليس المعنى: بناه البناء الحسي، من بناء المباني! وإنما باستعداده للقاء الله، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. اللهم اجعلنا من المحبين للقائك يا رب العالمين. كان أحمد بن خضرويه رحمه الله تعالى أحد تابعي التابعين، مات وعمره مائة وخمس سنوات، فعند الموت بكى، قالوا له: يا إمام! أنت عالم المسلمين وتبكي؟! قال: منذ خمسة وتسعين عاماً وأنا أدق بابه فهاهو الباب سوف يفتح، فلا أدري أأجد جنة أم ناراً، أي: منذ بلوغه عشر سنوات وهو يصلي ويصوم ويتقي الله ويتعلم العلم، وعندما كبر أصبح يعلم الناس، ومن ثم فهو يدق الباب ويخاف أن يفتح ويلقى ما لا يحمد عقباه. اللهم إن فتحت لنا الباب فأدخلنا جنة الرضوان يا رب. إذاً: فالسعيد من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يسكنه. ثالثها: وأرضى خالقه قبل أن يلقاه. يا ترى هل توفرت فيك هذه الصفات؟ وهل مازالت الدنيا متمسكة بك وما زلت متمسكاً بها؟ دخل الحسن البصري على رجل مات له ابن فبكى، فقال له الحسن : عجباً لك يا رجل! أسرك وهو فتنة وبلية، وأحزنك وغمك وهو صلاة ورحمة؟ يعني: عندما كان موجوداً في الدنيا فهو كما قال الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، وقال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]. إذاً: فالزوجة قد تكون عدوة لك، فتجعلك تكتسب من حرام، أو من شبهة، والولد كذلك، إذاً: فأنت سعيد به في وقت كان بلية واختباراً وامتحاناً ومصيبة، وعندما مات إن قلت كما قال الله: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] فسيثني الله عز وجل عليك ويثيبك كما قال سبحانه: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين. فالسعيد هو الذي توفرت فيه هذه الثلاث الصفات، وعندما تخرج من درس الدار الآخرة فكن كسيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقد كان كل ليلة قبل أن ينتهي مجلس الحكم الذي كان يعقده يحضر العلماء، وكل عالم من العلماء يمثل مرحلة من مراحل الدار الآخرة، يعني: كأن في الحلقات التي نتكلم فيها، عالم عند أمير المؤمنين يتكلم بحلقة، فيقول: هاهو ملك الموت أتى، وأنا أنظر إليه الآن يعمل كذا! ويعمل..! ويشرح، ويأتي الثاني الذي بعده، فيقول: هاهم أهلي أدخلوني القبر، ويحكي ما في القبر، ويأتي الثالث قائلاً: هاهو ربي بعثني من القبر، وها هو الحشر بدأ، أو حصل النشور، أو نصب الميزان، أو نشرت الكتب..، إلى آخره، سبحان الله. فكان الذين يحضرون درس عمر بن عبد العزيز كل ليلة يقولون: فكنا ننتشر من عند أمير المؤمنين، كأنما بعثنا من قبورنا إلى الله رب العالمين، فعند أن يخرج الرجل منهم من عند الأمير ماذا يعمل؟ لا كحال كثير من الناس يسمع الكلام ثم يتلف عمله، فيفتح التلفزيون ويضيع كل ما حصله، بل امض إلى بيتك وقم بتنفيذ الكلام الذي سمعته، فتعود إلى بيتك وتراجع حساباتك، يا إلهي هذا الكلام خطير مرعب، فلا تكن مرعوباً راهباً وقت الدرس فقط، ثم كأن شيئاً لم يكن. فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين…….
علة عدم سماعنا لعذاب القبر
تحدثنا سابقاً عن علامات الساعة الصغرى، وعلامات الساعة الكبرى، وقلنا قبلها كلاماً عن القبر وما فيه، وموجبات عذاب القبر، والمنجيات منه. اليوم -إن شاء الله- حديثنا عن قضية هامة، وهي قضية البعث، فقد مات الناس وأقبروا -أي: داخلوا القبور- وهي في ظاهرها أحجار وتراب، لكن في داخلها إما نعيم أو عذاب، ومن رحمة الله -كما أسلفنا- أنه لا يسمعنا صوت المعذبين في القبور، وعلى قدر فهمي الضعيف الضئيل، أنه ربما كان ذلك لحكمتين، والحكم كثيرة لكن أفهم منها علتين: العلة الأولى: ألا يعير الناس بعضهم بعضاً بما يعذب به أهلوهم في القبور. نفرض أن شخصاً رفعت أنا عليه قضية في المحكمة، ويعذب أبوه في قبره لأجل حرام كان ارتكبه، فأعيره بعذاب أبيه في القبر، وهذه ستكون مصيبة علي أولاً؛ لأن من عير أخاه بذنب صنعه لن يموت إلا وقد ارتكب هذا الذنب، ولذلك عندما تسمع عن شخص أنه يرتكب ذنباً معيناً فاسأل الله العفو والعافية، وقل: يا رب عافنا وإياه، وهكذا المؤمن. إذاً: فهذه هي العلة الأولى. والله أعلم. العلة الثانية: لو سمعنا عذاب أهل القبور لكانت عبادتنا لله رهبة لا رغبة. يعني: أنا عند أن أسمع العذاب تكون عبادتي لله عبادة خوف، مع أن الله عز وجل يريد أن تكون عبادتنا له عبادة حب؛ لأنه هو الغفور الودود، ينادي بعدما تثور عليك الأرض قائلة: يا رب! هذا الرجل أكل من رزقك ولم يشكرك، والجبل يقول: يا رب! هذا يأكل من رزقك ولم يشكرك، اجعلني أضمه.. أضيعه.. أميل فوقه، والسماء تقول: دعني يا رب! أنزل عليه غضباً؛ لأنه لا يشكرك، والبحر يقول: دعني أغرقه، فماذا يقول الرحمن الرحيم الذي يريدنا أن نعبده على حب؟ أأنتم خلقتموه؟ يقولون: لا يا ربنا، ويقول: لو خلقتموه لرحمتموه، دعوني وعبادي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم، ومن لم يتب فإني طبيبهم، وأنا لهم أرحم من الأم بأولادها…….
أهمية عبادة الله حباً
إذاً: فالله عز وجل يريد منا أن نعبده عبادة حب؛ لأنه مدح حبيبه صلى الله عليه وسلم فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:6-7]. سبحان الله، هل الرسول صلى الله عليه وسلم ضل؟ أم أنت لم تتنبه لمدلولات اللغة؟ الضلال في اللغة: شدة الحب، وهو درجة من درجات الحب الكبير؛ لأن الرسول كان بحاثة عن الحقيقة واليقين؛ بدليل أنه كان في كل شهر رمضان يختلي بنفسه قبل البعثة يبحث عن الله عز وجل؛ وكأنه يقول: الناس الذين يعبدون هذه الأصنام ليسوا على حق فدلني عليك يا رب السماء والأرض، دلني عليك يا من جعلت البحار زخارة بأمواجها، ونوارة بما فيها، يا من ترسل الرياح، يا من تصنع كذا وكذا، فقال له الله جل وعلا: وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7] أي: شديد الحب لمعرفتنا فهديناك إلينا، وليس معناه: أن الرسول ضال بمعنى منحرف أو مخطئ، حاشى رسول الله أن يضل بهذا المعنى. احترام المخلوقات لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم أمر ظاهر، فهذه السيدة عائشة تقول: كنا نأتي بوحش بري في البيت عند رسول الله، ومعنى: وحش بري، أي: غير مستأنس، فيركض ويلعب في البيت، ويقطع السجاد، فقالت: أول ما يدخل النبي صلى الله عليه وسلم يسكن الوحش بجواره حتى يخرج، أي: لا يريد أن يعمل فوضى يقلق بها الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذا وحش بري غير مدرب أو معلم، لكن ربنا يعلمه من أجل حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالله من رحمته لا يسمعنا عذاب أهل القبور، ومن الذي يسمع عذاب أهل القبور؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل المخلوقات تسمع عذاب أهل القبور، إلا الثقلين الإنس والجن) الذين هم مكلفون، لأنهم ما داموا مكلفين فلن يسمعوا عذاب أهل القبور من أجل أن تكون العبادة غيبية؛ لأن الله مدح المؤمنين في أول البقرة فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، وصل الأمر بسيدنا علي أن قال: لو كشف عني الحجاب لما ازددت من الله قرباً، وهذا كلام مرتفع جداً، يعني: لو رفع الحجاب بين سيدنا علي وبين ربه، لما ازداد من الله قرباً؛ ليقينه في الله عز وجل، فلا يريد إثباتات ولا براهين، ولا أدلة، وأحسن من قال: وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد لذلك عمر بن عبد العزيز وهو في النزع، قالوا: قل: لا إله إلا الله، فتبسم ونظر إلى السماء، وقال: ومتى نسيت ربي حتى تذكروني به. ذكرك في فمي جمالك في وجهي حبك في قلبي فكيف تغيب؟ ولسان حاله: كيف أنت دائماً معي وأنا معك، هذه معية الله عز وجل التي بها كل خير…….
الفرق بين الصديق وأصحاب موسى
وسيدنا أبو بكر عندما ارتجف في الغار قائلاً: يا رسول الله! ما أظن إلا أن القوم قد رأونا، وما ذلك إلا لأن عينيه وقعتا في عيني أبي جهل ، أو وقعت عينا أبي جهل في عيني أبي بكر ، فقد رآه بلا شك، فماذا يعمل الحبيب؟ هو يعرف رصيد أبي بكر الإيماني، فقال له: (لا تحزن يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) أي: فمن الذي يغلبهما؟ وانظروا الفرق بين أبي بكر وبين أصحاب موسى عند أن قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، ولذلك حديث الدار الآخرة مهم للعقيدة، من أجل أن الذي يخاف من غير الله لا يخاف إلا منه سبحانه، فالطالب الذي دخل الامتحان أو الموظف الذي يخاف من مديره، أو الرجل الذي يخاف من أمن الدولة أن تعمل به كذا وكذا، فكل هؤلاء ينبغي عليهم ألا يخافوا إلا من الله وحده، فإن خفت من الله أخاف منك المخلوقات كلها، ولذلك لما قال لموسى أصحابه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) لأن فرعون من ورائهم، قال لهم موسى: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] وهل هذا من أدب النبوة؟ أي: أن يقدم معيته على لفظ الجلالة؟ ألم يكن الواجب أن يقول: إن ربي معي كما قال الرسول لـأبي بكر : (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فقدم لفظ الجلالة على لفظ المعية، أما سيدنا موسى فقدم لفظ المعية على لفظ الجلالة فلماذا؟ لأن الذي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر وإيمانه كامل، فأول ما قرأ: (إن الله) سكن قلب أبي بكر ؛ أما الذين مع سيدنا موسى فهم يهود مذعورون خائفون على أنفسهم، فيطمئنهم أولاً على أنفسهم، ثم بعد ذلك يأتي بلفظ الجلالة قائلاً: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي). إذاً: فالفرق قائم بين المخاطبين، مثل الذي يجلس على جبل عرفات، وهو متعب يقول: يا إلهي، متى سيكتمل هذا النسك، ما هذا الحر؟ هذا غير معقول؟ لم أكن أتخيل أن الأمر هكذا، فهو ينتظر المغرب بفارغ الصبر، والثاني بجانبه مؤمن لا يريد المغرب أن يأتي، فلا يشعر بالحر، ويقول: يا ليت أن المغرب لا يأتي، فهذا اليوم قد لا يعوض مرة أخرى، فهذا لا يحس بالحر، والأول قد أتعبه الحر مع أن الجو واحد. إذاً: فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، هذا لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه، فاللهم اجعلنا معه في الجنة يا رب العالمين. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة بين الرجال، لا طويلاً جداً ولا قصيراً، يعني: كان متوسطاً في الطول، لا نحيف ولا سمين، بل كان ربعة بين الرجال، لكن كان إذا سار مع طويل خيل للرائي أن الرسول أطول، ولذلك قالوا: يا عباس قال: نعم، قالوا: أنت عم رسول الله وحبيبه، قال: نعم، قالوا: إذاً أنت الأكبر أو الرسول؟ و العباس هذا من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيت النبوة ألهمهم ربنا الرشد في الكلام وقال فيهم: رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73]، فاللهم احشرنا في زمرتهم يا رب، فقال العباس : رسول الله أكبر مني، ولكني ولدت قبله. أي: لا يصلح أن أكون أنا الأكبر وهو رسول الله، بالله عليك لو أن شخصاً سألك في هذا الزمان، أنت أكبر أم ابن أخيك؟ لقال لك غالباً: يا بني! ابن أخي من سن أولادي، لكن العباس تخرج الحكمة من لسانه، اللهم أنطقنا بالحكمة يا رب…….
نفخة الصعق
قبل قيام الساعة هناك نفختان في الصور: النفخة الأولى: قال الله فيها: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68] يعني: هناك استثناء، ومن الموجود في تلك اللحظة؟ الموجود الجنة، والنار، واللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، وعجب الذنب، وما هو عجب الذنب؟ هو ما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب). وعجب الذنب: هو آخر فقرة في العصعص، الذي في العمود الفقري، وهذا مشاهد عندما تنظر الهيكل العظمي، فآخر فقرة هذه لا تفنى، بل تبقى منها بعض من الذرات، وهي دليل على أن هذا هو الشخص الفلاني، أو أنها فلانة، وربما يكتشف في المستقبل طباً أن في هذا المكان سراً ما، ولو أن عندنا من الأساتذة الفضلاء والعلماء أصحاب الطب واستطاعوا أن يفحصوا في هذه الحالة فلا بد أن يجدوا فيه سراً، ولماذا هذا بالذات؟ لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب)؟ لأنه البقية الباقية التي ستبقى من جسد ابن آدم، ولن تنفى إلا أن يشاء الله. إذاً: فعجب الذنب واحد من سبعة أشياء تظل باقية عند قيام الساعة، أو عند الصعقة في الصور…….
وصف من ينفخ في الصور
ومن الذي يصعق في الصور؟ أو من الذي ينفخ في البوق؟ ملك موكل بهذا اسمه إسرافيل، وهذا هو عمله من يوم أن خلق الله الجنة والنار، والرسول صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وحنى جبهته، لا يرتد إليه طرفه، عينه لا ترمش، شاخصاً إلى العرش، ممسكاً بالبوق في يديه وعلى فمه، يخاف أن تغمض عيناه وقد أمر من الله بالنفخ في البوق. وفي الحديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه وحنى جبهته، ينتظر الإذن من الله بالنفخ في البوق). إذاً: فالرسول عند أن ينظر هذا أمامه كيف يأتي له نوم بعد ذلك؟ فأنت عند أن تتعلم العلم وتحضر حلقات الدار الآخرة تكون مستعداً للقاء الله، وعند أن يطرق عليك ملك الموت يومها فأنت مستعد للقائه سبحانه، اللهم اجعلنا من المستعدين للقائك يا رب العالمين.
استدعاء ملك الموت بعد الصعق
وبعد الصعق يستدعي رب العباد سبحانه ملك الموت، وهو العليم الخبير فيقول له: يا ملك الموت! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: هل بقي أحد على ظهر الأرض؟ وهذا السؤال من الله سؤال من يريد تقرير الحقيقة، وهذا كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة:109]. وكقوله تعالى: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:16-118]. وقوله تعالى على لسان عيسى: (إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيه تقرير بأنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله سبحانه، فلا تضرب الودع ونحوها؛ لأن عند المسلم يقيناً بالله عز وجل فيتقي ربه، ولا يصدق بأن إنساناً لا يستطيع أن يعرف ما وراء الطبيعة إلا بإيمانه بالله عز وجل وفتح الله عليه. فيقول إسرافيل: يا رب! بقي على وجه الأرض جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الماثل أمامك ملك الموت، فيقول الله له: يا ملك الموت! اقبض روح ميكائيل، فيقبض روح ميكائيل، ويبقى إسرافيل وجبريل، فيقول له الله: اقبض روح إسرافيل، وفي رواية: اقبض روح جبريل، ثم بعد قبض روح ميكائيل وإسرافيل وجبريل، يقول له الله: يا ملك الموت من على وجه الأرض؟ وتخيل ملك الموت أمام الله، أمام من يملك قضية الموت والحياة، كما قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]. وقد رأى رسول الله جبريل على هيئته مرتين له ستمائة جناح قد سد الأفق بجناحيه، فقال يا جبريل! أريد أن أراك على حقيقتك، وكان يأتيه في صورة دحية الكلبي أحد الصحابة، وكانت صورته جميلة، هو من قبيلة كلب، فهذا هو الذي كان يأتي جبريل في صورته إلى رسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريد أن أراك على حقيقتك فقال له: (لا تستطيع، فقال الله: يا جبريل! لا ترد أمراً لحبيبي محمد، اخرج إلى البقيع يا رسول الله! فخرج، ورأى أجنحة جبريل وقد سدت مشرق الشمس ومغربها، رأسها في السماء ولم ير رجليه)، وكاد أن يغشى على الرسول من المفاجأة والهول، ما هذا الحجم وما أكبره؟ فلما عاد إلى حجمه، أي: لما عاد -يعني: إلى الحالة الطبيعية أو الشبه الذي كان يأتي به إلى الرسول - وقد قال جبريل: (أنا بالنسبة لإسرافيل وميكائيل كحلقة ملقاة في فلاة، ولو تراهما يا رسول الله! وقد تصاغرا خشية من الله عز وجل، حتى يصيرا كالعصفور الصغير). إذاً: فالملائكة معصومون، لا يعملون الغلط، والله جعلهم نورانيين في خوف من الله عز وجل، ونحن الذين ركب فينا الخير والشر، وشرنا أكثر من خيرنا إذا انحرفنا لا نخاف؟ بل يجب أن نخاف الله سبحانه، قال الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. فقال الله لملك الموت: يا ملك الموت مت، وفي رواية الترمذي قال: (لم يبق إلا حملة العرش)، أي: الحاملين للعرش فقال: يا ملك الموت أمت حملة العرش، ثم قال له الله: من بقي؟ فيقول: عبدك.. فقال له: مت، ثم يقول الله عز وجل: كنت أنا الله وأبقى أنا الله، أنا الله لا إله إلا أنا، أين الملوك؟ أين أهل الملك؟ أين أهل الجبروت؟ أين أهل القهر؟ لم يبق إلا أنا الواحد القهار.
نفخة البعث
عادت الأرض كما كانت لا مخلوق فيها، ملك لخالقها سبحانه، فتمكث الأرض كذلك ما شاء الله لها أن تمكث، ثم يبعث الله إسرافيل لينفخ في البوق مرة أخرى، وهذه النفخة الثانية، وهي الإيذان بقيام القيامة، ودخلنا في مسألة البعث، قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41-42] أي: ينادي إسرافيل، وربما ينادي حملة العرش، -على خلاف في الروايات- وربما ينادي مناد من عند الله لا ندري من هو: يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها اللحوم المتناثرة! قومي لفصل القضاء أمام الله رب العالمين، كما قال الله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7]، وكما قال سبحانه: كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43] فيقول الله لهم: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] فيقولون: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] أي: اسأل الذين يعدون، أما نحن فلا نعرف كم لبثنا؟ أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبينا صلى الله عليه وسلم، فيقول جبريل والملائكة في لقائه: مرحباً يا خير خلق الله، وفي رواية ابن ماجه والإمام أحمد أن سبعين ألفاً من الملائكة تشرف بلقاء الحبيب وهو قائم من قبره، وهذا التشريف خاص بسيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو خارج من القبر، فيقول: كيف حال أمتي يا جبريل؟ أول ما يفتح عينيه يسأل: كيف حال الأمة؟ ما أعظم حنانك وعطفك على الأمة يا رسول الله! كما قال الله عنه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، أفلا يستحق أن نصلي عليه ليل نهار؟ ألا يستحق أن نحبه حباً جماً؟ ألا يستحق أن نسير خلفه وفي طريقه، ألا أيستحق أن نطيعه فيما قال وأمر، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]. لذلك سيدنا أنس يبكي وهو يوضئ الحبيب صلى الله عليه وسلم، فالماء ينزل من الإبريق من يد أنس رضي الله عنه وهو يبكي، و أنس خدم الرسول عشر سنوات، أمه أسلمته للحبيب وهو في العاشرة، فمكث يخدم المصطفى إلى عشرين سنة، وعنده من العمر خمس عشرة سنة وهو يبكي! لأنه تربى في بيت النبوة، فقال: يا رسول الله! تذكرت يوم تقوم الساعة، تكون أنت عند الله عز وجل في درجة عالية، وأنا لا أدري أين أكون؟ فهذا حال سيدنا أنس رضوان الله عليه، فلذا يكرمه الله عز وجل ومن على شاكلته ومن يسير في طريقه بما في قوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين…….
المواطن التي يفر المرء فيها من كل قريب
وهذه السيدة عائشة تبكي بكاءً مراً على الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: (ما لك يا عائش)، وكان يلاطفها، وهو حنون على زوجاته، فقالت: أيذكر ويعرف بعضنا بعضاً يا رسول الله يوم القيامة، أو (هل كلنا سيعرف الآخر عندما نخرج من القبور؟ قال: يعرف بعضنا بعضاً ويذكر بعضنا بعضاً، إلا في مواطن ثلاثة) في مواطن ثلاثة، متى يا حبيب الله؟ وفي رواية الإمام أحمد : (مواطن أربعة)، في رواية الإمام ابن ماجه و الترمذي و مسلم : (في مواطن ثلاثة). وهي كالتالي: أولها: (عندما نخرج من قبورنا، لا يسأل حميم حميماً) أي: لا أحد يسأل عن أحد، لو لقيت أباك أو ابنك بجانبك لفررت منه، وكذا امرأتك، فيفر الإنسان من كل من يعرف في هذا الموقف. ثانيها: (عند تطاير الصحف) . وثالثها: (عند نصب الموازين أيثقل أم يخف) اللهم اجعلنا من الذين تثقل موازينهم يا رب العالمين. ورابعها: (عند الصراط، أيهتز به الجسر أم يثبت قدمه عليه). اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. يقوم الناس من قبورهم على غير هدى، من لدن آدم إلى آخر إنسان على الأرض، الراعي الذي ستقوم عليه الساعة، هو آخر من سيموت، ثم تقوم الساعة عليه ويموت وهو وسط غنمه، من أبينا آدم إلى هذا الراعي يعني: إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل خارج من القبور من جميع أنحاء العالم يتجه إلى مكان واحد، لكن المؤمن الثابت الإيمان، التقي، النقي، الطاهر، الشريف على باب قبره ينتظره الملكان اللذان كانا أصحابه في الدنيا، أي: ملك الحسنات وملك السيئات، يثبتانه بالقول الثابت. اللهم اجعلنا منهم يا رب، فالمؤمن الثابت، التقي، النقي ينتظره رقيب وعتيد يثبتانه: لا تخف، مثل أن تنزل أرضاً أو بلداً غريبة، فتلقى في المطار أناساً يتكلمون باليابانية وآخرون بالصينية، وأنت لا تعرف يابانية ولا صينية، ثم تجد صديقك، له عشرون سنة في هذه البلاد، فقال لك: أهلاً وسهلاً كيف حالك؟ وماذا تعمل؟ فكذلك الملكان يثبتانه في القبر، ويلقنان المؤمن الحجة، اللهم لقنا حجتنا يا رب العالمين.
وصف أرض المحشر
يسير الناس على غير هدى عند خروجهم من القبور، ولكن العلماء يقودون الناس كما كانوا يقودونهم في الدنيا إلى أرض المحشر. أما أرض المحشر فهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بيضاء نقية، كالفضة المذابة، ما ارتكبت عليها خطيئة ولا ذنب قط) ذلك لأن الله قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48]. قال أيضاً سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] أي: ليس فيها حفرة، ولا تل ولا هضبة؛ وإنما هي أرض مستوية، كل شيء ظاهر فيها، فلا أحد يختبئ في حفرة، أو وراء تل أو جبل أبداً، بل كلها أرض واضحة المعالم، إلى أن قال رب العباد سبحانه: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108] وقال سبحانه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111]. هذا كلام لو أن العبد تدبره لانصدع قلبه خوفاً من الله سبحانه، ولهذا جاء القرآن وكذا سنة الحبيب لذلك، أي: لكي ترشدنا إلى الخير إن تأملناها، اللهم أرشدنا بكتابك وسنة حبيبك يا رب العالمين. فيسير الناس على غير هدى إلى أن يجتمعوا جميعاً، فيا له من اجتماع مهول! نحن على ظهر الكرة الأرضية في هذا الوقت سنة واحد وتسعين خمسة مليار أو خمسة آلاف مليون، وهذا في حقبة من الزمن فقط، فانظر كم يكون من لدن أبينا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم يجتمعون في مكان واحد، الأمريكي والروسي والأفريقي والآسيوي وغيرهم، كلهم يكونون في مكان واحد. ولترى هذه الصورة في يوم عرفة، وهم كلهم مجتمعون، فيا ترى كيف يكون حالنا في ذلك اليوم؟ ترى النساء عورات الرجال والعكس؛ لأنهم كلهم عراة. انظر إلى أم المؤمنين على ماذا تخاف في ذلك اليوم؟ ليست مثل النساء اللاتي يمشين عاريات في الشوارع، قائلة لك: المهم الحجاب في القلب! فتقول أم المؤمنين: سبحان الله! ويرى الرجال عورات النساء؟ قال: (يا عائشة لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37])، أي: لا يوجد أحد في ذلك اليوم يهتم بهذه الأشياء يا أم المؤمنين، فالكل يذهب إلى مكان واحد. إذاً: فهناك بعث وانتشار من القبور…….
كيفية الحشر
بعد ذلك قال: واقتربت الشمس من الرءوس، فلقد تركت مدارها، وتغيرت الأرض والسماء وكذلك أشكالنا، أي: الأجساد سوف تتغير، ونخلق يوم القيامة على صورة أبينا آدم ستون ذراعاً في السماء، يعني: إذا كان الذراع يساوي خمسة وسبعين سنتيمتر مثلاً، فالواحد طوله يوم القيامة خمسة وأربعون متراً. وسوف نحشر يوم القيامة أصنافاً ثلاثة: ركباناً، ومشاة، وعلى الوجوه، يعني: سنخرج من القبور ثلاثة أصناف: صنف كانت الدنيا بالنسبة لهم مطية ووسيلة، وليست غاية، واتقوا الله عز وجل، وعاشوا ينشرون الدعوة والعلم، رغم ما يؤذون به وما يدخل بيوتهم من النكد والشر، لكن نصروا دين الله عز وجل، فلذا الخيول والدواب ووسائل الانتقال المريحة تنتظرهم عند القبور، من أجل ألا يمشوا، اللهم احشرنا معهم يا رب، فيحشرون ركباناً، ويحشر مشاة من كان عملهم أقل، وهناك - والعياذ بالله - من يحشرون على وجوههم، قالوا: (كيف يمشون على وجوههم يا رسول الله؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم سوف يمشيهم على وجوههم). إذاً: يحشر الناس مشاة وركباناً، وعلى وجوههم، على قدر تعبك لله في الدنيا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فإن كدحت لله في الدنيا وتعبت وعرقت من أجله، فستأتي يوم القيامة لا تعرق؛ لأنك أصابك العرق لله، وتعبت في سبيله، وجاهدت وحوربت، وضيقوا عليك الرزق، وراقبوك، وكرهت حياتك من أجله، وما زلت سائراً فيما يرضه، فلن تعرق وتتعب يوم القيامة. والمرأة المنقبة والمخمرة التي تمشي في عز الحر مغطية نفسها بجلباب أو اثنين، من أجل ألا يرى أي شخص شيئاً من جسمها، ومن أجل ألا يعرف أحد هل هي سمينة أم نحيفة، وألا يعرف أحد شكل يدها أو جسمها أو رجلها وهي مع ذلك تتصبب عرقاً، فهذا العرق يمنع عنها عرق الآخرة، وتوضع لها كل قطرة من عرقها في ميزان حسناتها يوم القيامة، والتي تمشي عريانة والذباب محيط بها، وعيون الذئاب البشرية تنظر إليها، فهذه سوف تسبح في عرقها يوم القيامة، نسأل الله السلامة لنا ولكم ولنسائنا أجمعين، إن ربنا على ما يشاء قدير. فالناس منهم من يمشي في عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل عرقه إلى حقويه -أي: نصف جسمه- ومنهم من يصل عرقه إلى صدره، ومنهم من يغطي العرق أذنيه. من لم يتعب في الدنيا مثل تعب المؤمنين، بل كان مستريحاً محارباً لعلماء الدين فهذا يبلغ منه العرق على قدر عداوته وعمله. يصل الناس إلى أرض المحشر، ونحن لسنا مثل أهل التوراة عندما يتكلمون عن ذلك قائلين: عند قبة الصخرة سوف يوضع عرش الرحمن، وتكون الموازين هناك والأرض، فنحن لا داعي لنا لمعرفة المكان، ولم يذكر في القرآن أو السنة ذلك، فلا يهمك المكان، وهذا حال التلميذ الغبي تماماً، فهو يهمه المكان الذي سيختبر فيه، وفي أي لجنة؟ وكم في جنة من طالب؟ وكم الأسئلة؟ وهذا ليس عليه، ونقول له: إنما عليك أن تذاكر وتمتحن حتى في المريخ. وكذلك قضية أرض المحشر، في أي مكان هي؟ هذا ليس علينا، فلا تسأل عن أشياء لن تعود عليك بشيء مفيد. وعندما يصل الناس إلى أرض المحشر جميعاً، تطول بهم الوقفة لأن اليوم في الآخرة بخمسين ألف سنة، فكم يمكث الناس يا ترى؟ يمكثون طويلاً، حتى إن الحبيب يذكر: أنه يتمنى كثير من الناس أن يذهب بهم إلى النار ولا تطول بهم الوقفة…….
شفاعة النبي لأهل الموقف
يحشر الناس في صعيد واحد، كلهم عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ثم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيذهب الناس، كل أمة تذهب إلى علمائها) أي: كل أمة تجري وراء العلماء المخلصين، الذين كانوا يعلمونهم في الدنيا، يا علماءنا اعملوا شيئاً، فيذهب وفد من العلماء بعدما يتشاورون ماذا نعمل؟ فقالوا: نحن سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه من أجل أن تبدأ الشفاعة في بداية الحساب، فأول واحد نذهب إليه آدم أبو البشر، الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، فيقولون: يا أبانا اشفع لنا عند ربك، فيقول: لقد غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله، ولن يغضب مثله بعده؛ ويكررون على آدم الرجاء: يا أبانا اشفع لنا، فيقول: وهل أخرج أباكم من الجنة إلا أن عصى ربه، بأي وجه ألقى الله عز وجل، رغم أن الله تاب عليه، لكن مازال مرعوباً، فليست المسألة سهلة، فيقول لهم آدم: أنا لست لها، اذهبوا إلى نوح، كل الذين ذهبوا إلى آدم يذهبون إلى نوح: يا نوح! يا أطول الأنبياء عمراً، يا أول الدعاة على الأرض! اشفع لنا عند ربك، فيقول مقالة أبيه آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضبه من قبل ولن يغضب مثله بعد، أنا لست لها، لقد دعوت على قومي، وقلت: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27] أنا لست لها، اذهبوا إلى أبي الأنبياء إبراهيم. قالوا: إذاً حلت، أبو الأنبياء هذا الخليل، وله دلال على الله، وهو ذو المكانة من الله، فيقولون: يا خليل الرحمن! اشفع لنا عند ربك، وما هي الشفاعة هنا؟ هي بداية الحساب، يعني: كل هذا الرجاء من أجل أن يبتدئ الحساب، فلا تظن أن الشفاعة من أجل أن يدخل الناس الجنة! لا، بل من أجل أن يبدأ الحساب، فالمسألة خطيرة وصعبة، لذلك كان الرسول يقول دائماً: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً، ولما هنأت لكم حياة، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيها جبهة ملك ساجد، يسبح بحمد الله، حتى إذا حشروا أمام ربهم يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) . إذاً: فالمسألة خطيرة، والملائكة الذين يشغلون أنفسهم بعبادة الله، يقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، وأنت عندما يكرمك الله تنظر إلى وجه ربك يوم القيامة، يجب أن تستقل العبادة التي أمرك بها. يقول الخليل لهم: لقد كذبت، أنا لا أستطيع، لقد غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله قبل، ولن يغضب مثله بعد، أنا لست لها، اذهبوا إلى كليم الله موسى، قالوا: هو هذا الذي سيكلم ربنا، الإنسان دائماً يعيش على الرجاء، وهو في كل حلقة يرجو الحلقة التي تليها، فيقولون: يا موسى! ربنا اصطفاك على الناس برسالته وبكتبه، اشفع لنا عند ربك، فيقول: لست لها، لقد دعوت على قومي: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88]. كل نبي من الأنبياء يرى نفسه مذنباً، إذاً فنحن بالله عليك أين نذهب؟ يعني: الأنبياء يقولون: لا، إن ربنا غضب اليوم، لا أحد يستطيع أن يتكلم، إلى درجة أن الله عز وجل عند أن يجمعهم ويسألهم: مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة:109] وهم يعرفون الإجابة لكن يقولون: لا عِلْمَ لَنَا [المائدة:109]، ولذلك قالوا: يا خليل الرحمن! لم لا تشفع لنا عند ربك يوم القيامة، -هؤلاء أتباعه- ألست خليل الرحمن؟ قال: خوفي من ربي أنساني خلتي معه، أي: الخوف أنساني أنني خليله، يا إلهي! انظروا خوفهم إلى أين أوصلهم؟ يقال: إن سيدنا أيوب كان يبكي خوفاً من الله حتى ينبت الزرع من كثرة دموعه، فكم كان مقدار دموعه؟ فيقول لهم إبراهيم: أنا لست لها، اذهبوا إلى روح الله عيسى، قالوا: إذاً هنا الحل، وقال مثلما قال إخوانه من قبل وأبوه آدم، أي: ربنا غضب اليوم غضباً لم يغضبه من قبل، ولن يغضب مثله بعد … أنا لست لها، أين أنتم ممن قال أنا لها أنا لها! أين أنتم من أخي محمد؟ لماذا لا تأتون إليه مباشرة، كل واحد من الأنبياء يقول: لست لها.. لست لها.. لست لها، إلا محمداً عليه الصلاة والسلام. فيقولون له: يا رسول الله! يا خاتم النبيين! يا خير خلق الله! يا من كذا وكذا! - طبعاً فيه من الصفات الكثيرة - اشفع لنا عند ربك، فتكون أول إجابة له أن يقول: (أنا لها .. أنا لها) صلى الله عليه وسلم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فأنهض فأسجد بين يدي ربي تحت العرش، ويفتح الله علي من محامده ما لم يفتح من قبل) ، يعني: يلهمه الله كلاماً لا يعرفه من قبل، فيظل يحمد الله ويثني على ربه بما هو أهله، ويبكي، لكن هل يبكي من أجل نفسه أو أهله؟ لا، من أجل فاطمة و الحسن و الحسين ؟ لا، وإنما يقول: (يا رب أمتي.. يا رب أمتي، يقول له: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع). ارفع رأسك يا حبيبي! أما كفتك العبادة؟ أما كفاك القيام؟ أما كفاك الهجود؟ أما كفاك الصيام؟ أما كفاك الصلاة حتى تورمت منك الأقدام يا خير الأنام؟ ارفع رأسك فيقول: (يا رب أمتي.. يا رب أمتي) فيقول الله عز وجل: (رحمتي لن تضيع أمة هذا رسولها، وهذا ربها الرحمن الرحيم). فاللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا.. اللهم شفعه فينا.. اللهم شفعه فينا يا رب العالمين. وفي أرض المحشر التي هي بيضاء نقية كالفضة لا حفرة فيها ولا تل، يكون مع الإنس فيها هناك الجن، والشياطين، والحيوانات، قال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، قالوا: ويحيط بهذا كله الملائكة، كما قال تعالى: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا [الفرقان:25]، فالملائكة تركت مدار العبادة الذي في السماوات والأرض، وأحاطت بأهل المحشر، فلا خلاص من أمر الله، ونكس الجميع رءوسهم خشية لله عز وجل، ثم نكست الوحوش رءوسها خشية من الله، وهي ما اقترفت ذنباً، ولن تحاسب بالحسنات والسيئات وهي في حالة من الخوف، إذاً: فنحن أولى أن نخاف ونرتعب، ونكون في الدنيا على وجل، وإن قوماً غرتهم الأماني، يقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لقد كذبوا، ولو صدقوا لأحسنوا العمل. القضية: أن الإيمان ليس بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، إياك أن تقول: هذا شخص قلبه أبيض، أو: صحيح أنه لا يصلي، ولكن قلبه أبيض، وصحيح أنه لا يخرج الزكاة، لكن قلبه أبيض! بل قل: هذا قلبه أسود؛ لأنه لا يقيم شرع الله عز وجل، فحذار أن تضيع شرع الله، وتضيع سنن الحبيب المصطفى، وحذار أن تبتعد عن مجالس العلم، والله يأمر حبيبه قائلاً: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:28-29]. فاللهم اجعلنا من المؤمنين يا رب العالمين…….
الأدلة على مسائل البعث واليوم الآخر
تكذيب أناس لربهم
ندعم كلامنا المتقدم بالأحاديث الصحيحة المنقحة عن الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم على ما يلي: روي الإمام البخاري وكذا الإمام مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل فيما يرويه عنه سبحانه وتعالى أنه يقول: (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني؛ فأما شتمه إياي فيقول: إن لي ولداً). وهؤلاء النصارى أصحاب العقيدة المنحرفة، ثم قال الله عز وجل: (وأما تكذيبه فقوله: لن يعيدني مرة أخرى) مع أن الله يقول: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:47].
حال صاحب الصور
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترك صاحب الصور أو صاحب القرن الذي وكل به، ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان، ملوك الأرض يومها أذل أهل الجمع، حتى الوحوش تقبل من البراري منكسة رءوسها بعد توحشها، ذليلة بغير خطيئة، ثم تحشر الشياطين). قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم:68] ، هذا كلام الله عز وجل، وكلام حبيبه صلى الله عليه وسلم.
إلقاء الأرض ما في جوفها
ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا أول من تنشق عنه الأرض فأجلس في قبري، فيفتح لي باب في السماء بحيال رأسي حتى أنظر إلى العرش، ثم يفتح لي باب عن يميني حتى أنظر إلى الجنة وإلى منازل أصحابي، وإن الأرض تحركت تحتي فقلت: ما بالك أيتها الأرض؟ قالت: إن الله أمرني أن ألقي ما في جوفي وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء في)، ثم قرأ قول الله عز وجل: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:4-5] ، أي: سمعت وأطاعت وحق لها أن تسمع وتطيع.
حال العبد مع عمله
ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (أول من يلقى العبد يوم القيامة ملك الحسنات) انظروا إلى التعبير (العبد)، الذي هو المؤمن، يعني: هو عبد لله لا للدنيا. ثم يجد رجلاً على هيئة نور، يقول له: اركبني، فيقول له: من أنت؟ فيقول له: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، فاليوم تركبني حتى آتي بك إلى الله عز وجل. أما الثاني والعياذ بالله فعليه ظلام وكآبة، فيركب فوق ظهره، فيقول له: من أنت؟ فيقول له: أنا علمك السيئ، كما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، كما قال تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرص نقي ليس فيها معلم لأحد) ومعنى: عفراء: أي بيضاء غير ناصعة البياض، يعني: بياض بزرقة قليلاً، وقال عليه الصلاة والسلام عنها: (أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة).
طرائق حشر الناس
وفي حديث البخاري و مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنين على بعير، وثلاثة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا). يعني: والعياذ بالله أن هنالك أناساً سوف يخرجون من القبور يلقون ركائب يركبونها، وهناك أناس يلقون الأعمال الصالحة يركبونها، وهنالك أناس تمشي النار -والعياذ بالله- معهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا كالنار على الناس في كلامهم وألفاظهم، ومعاملاتهم. عندما يوضع العبد السيئ في القبر يخرج له تنين أو ثعبان أقرع له سبعون رأساً، وله أنياب قد جري السم في دمائه سنوات طويلة -والعياذ بالله- قال: سبحان الله هذا التنين كان حياً معه في الدنيا؛ لأنه في الدنيا كان عبارة عن حية تلدغ الناس، والحيات والعقارب التي تملأ القبر، وتحيط بالفاجر والفاسق هي عبارة عن أعماله السيئة؛ من الغيبة والنميمة، ولمز الناس، وهمز الأعراض، والخوض في الحرمات، وكتابة الشكاوى، وتعذيب الناس وسجنهم، وتضييع علماء الدين، وكل هذا يتمثل له يوم القيامة في هذه الصور من العذاب والعياذ بالله. فاللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة يا رب العالمين.
حال الناس عند حشرهم
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن مسعود : (يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط؛ فمن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسى لله كساه الله، ومن عمل لله كفاه الله، ومن نصر الله أراحه الله في ذلك اليوم) . يعني: أنت عند أن تطعم لله، فالله سيطعمك يوم القيامة، وعند أن تسقي لله فالله عز وجل سيسقيك، وإن تكس لله فالله عز وجل سيكسوك، وإن تعمل أي شيء لله عز وجل فالله سيعطيك مثل ما صنعت، ولن تعمل شيئاً لله إلا وجدته، والناس يبعثون على ما ماتوا عليه. شخص وافته المنية في حجة الوداع، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: (غسلوه وكفنوه، لكن لا تغطوا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً). فمن مات وهو يقرأ القرآن يخرج من قبره وهو يمسك المصحف ويقرأ القرآن، والذي مات ويذكر الله يبعث يوم القيامة وهو يذكر الله، والذي مات وهو يلعب والعياذ بالله طاولة أو يشرب سجائر أو واقعاً في منكر أو مات وهو يغني أو يعمل أي منكر فسيبعث على ما مات عليه. فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها يا رب العالمين.
كيفية حشر أصناف من الأمة
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ:18]؟ فبكى الرسول، وقال: يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً، قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم -والعياذ بالله- فمنهم على صورة القردة، ومنهم على صورة الخنازير، ويحشر بعضهم منكسين أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها)؛ لأنه في الدنيا لم يكن يسمع لأهل العلم، بل كان ممن يؤذيهم، كأن يقفل مسجداً أو يؤذي مصلياً. ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم لا يمضغون -والعياذ بالله- ألسنتهم مدلاة على صدورهم، يسيل منها القيح، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع النار، إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، يقول: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم، ثم تلا: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم:85]) اللهم اجعلنا منهم يا رب. قال أهل اللغة: الوفد: هم علية القوم، وعندما كان يقول العربي: وصل الوفد، فليس المراد أي أحد؛ لأن زعماء القبيلة هم الوفد، ثم قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:86]. لا تساق إلا البهائم، ومعنى: ورداً، أي: عطاشا، تخيل شخصاً في جهنم وهو عطشان. نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن الكافر ليستقبله عمله في أقبح صوره وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، يقول: أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، وتلا قول الله عز وجل: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31]). والعياذ بالله رب العالمين. وهنا نتوقف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منقول 9
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
قديم 05-01-2011, 12:10 AM   #10
أديبة وشاعرة/أم العروبة
 
الصورة الرمزية ازدهار الانصاري
 
بيانات :-




ازدهار الانصاري is on a distinguished road

sms and mod :-

SMS

صرتُ لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد اليّ روحي التي هاجرت معك ..


افتراضي رد: سلسلة الدار الآخرة ..الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي


الحلقة العاشرة


سلسلة الدار الآخرة_أسماء يوم القيامة
الدكتور / عمر عبد الكافى

البعث والنشور حقيقة لا ريب فيها، وهي جزء من الإيمان بالآخرة، وجزء من إيمان المؤمن لا يتم إيمان المؤمن إلا به، وليوم القيامة أهوال وأحداث، وأسماء يوم القيامة توضح ذلك.
قضية البعث وتوجه الناس إلى المحشر
الحمد لله حمد عباده الشاكرين، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة العاشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، فهذا يوم مبارك وهو يوم عاشوراء الذي من صامه إيماناً بالله واحتساباً فقد غفر له ذنوب سنة مضت، فاللهم اجعلنا من الذين تقبلت منهم يا رب العالمين! اللهم تقبلنا في هذا اليوم الكريم، اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، واغفر يا مولانا بفضلك زلاتنا وآثامنا، وأعتق من النيران رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا، وأزواجنا وذرياتنا، وأصحاب الحقوق علينا، فرج اللهم الكرب عن المكروبين، وسد الدين عن المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، ويسر أمورنا وأمور المسلمين، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. أكرمنا ولا تهنا، أعطنا ولا تحرمنا، زدنا ولا تنقصنا، كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، انزع اللهم الحقد والحسد والضغينة من قلوب المسلمين، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا. اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، ومن المتزاورين فيك، ومن المتجالسين فيك، اللهم حببنا بحبك فيمن أحببت، وبغضنا ببغضك فيمن أبغضت، اللهم حببنا إلى الحلال وبارك لنا فيه وحببه إلينا وإن كان قليلاً، وباعد بيننا وبين الحرام يا رب! بعد المشرقين وبغضنا إليه وإن كان كثيراً، أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، نعوذ بك من عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع، نسألك من خير ما علمنا وما لم نعلم، ونعوذ بك من شر ما نعلم وما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، انصر الإسلام والمسلمين، انصر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، تعلم يا مولانا أننا مقهورون فانصرنا، أذلاء فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا. اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، ولا خزايا ولا ندامى ولا مبدلين. يا أرحم الراحمين ارحمنا! يا أرحم الراحمين ارحمنا! يا أرحم الراحمين ارحمنا! لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين! أكرمنا بكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أكرمنا يا أكرم الأكرمين! اللهم توفنا على الإيمان واحشرنا في زمرة المؤمنين، واجعلنا للمتقين إماماً، ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله، واسقنا من حوض الكوثر شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10] . وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث عن البعث من القبور، وتوجه العباد إلى أرض المحشر وقد وصفها لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنها أرض بيضاء نقية لم ترتكب عليها معصية قط، ولم يسفك عليها دم قط، ولم يظلم إنسان عليها قط، ولم تقع عليها أي بلية قط، إنما هي أرض جديدة خلقها الله سبحانه وتعالى ليحاسب العباد عليها. إن أرض المحشر كما قلنا لا ندري أين مكانها، ولكن سوف يدلنا أهل الخير والعلماء الصالحون العاملون بعلمهم، وسوف يقومون بعمل الأدلاء أو المرشدين إلى أرض المحشر، حيث نخرج جميعاً من الأجداث سراعاً كأننا إلى نصب نوفض، أو كأننا جراد منتشر، وهنا إذا صيح بنا الصيحة الثانية ينادي المنادي من قِبل العلي الأعلى: أيتها العظام النخرة! أيتها اللحوم المتناثرة! أيتها الأعضاء المتفرقة! قومي لفصل القضاء أمام الله رب العالمين. وسوف نسرع ما بين راكب وماشٍ، وسائر على وجهه والعياذ بالله رب العالمين، حتى إن الصحابة الذين لا يجادلون أبداً تعجبوا وقالوا: يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ قال: (الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم) وذلك لأن هذا الإنسان الذي سيمشي على وجهه والعياذ بالله يوم القيامة كان دائماً لا ينظر إلى الإسلام ولا إلى المسلمين، وإنما ينظر لمصلحته لا غير، ويرى مهمته فقط، فلم ينظر إلى مسلم برحمة، ولا إلى أرملة مسكينة برحمة، ولا إلى يتامى بشفقة، ولا إلى موظف مسكين يقف بجانبه، ولا إلى مظلوم، وإنما كان ينافق ويظهر ما لا يبطن. إنَّ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يعلم أبا ذر وبالتالي يعلمنا أن الإنسان المسلم الصادق في إسلامه يجب أن يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم؛ لأن قول الحق لا يقرب أجلاً، فأنت إذا رأيت ما يجب أن تقوله بحق وبصدق يجب أن تقول ولا تخاف أبداً أن يزج بك في سجن، أو تصاب في رزقك أو في ولدك، أو تعجل عليك المنية، كلا! فقل الحق، وإن مت فبقضاء الله عز وجل وأنت مع حمزة رضي الله عنه في الجنة، فخير الشهداء حمزة ورجل دخل على حاكم ظالم فوعظه فقتله. إذاً: هؤلاء سوف يُحشرون على وجوههم والعياذ بالله رب العالمين، ومنظر بشع أن يسحب الإنسان على وجهه، قال تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22] فأيهما أهدى وأفضل؟ الذي يمشي في الحياة مستقيماً على الصراط القويم، أم ذلك الذي يمشي مكباً على وجهه لا يرى الحق حقاً، وإنما يرى الحق باطلاً، ويرى الباطل حقاً. إنَّ في زمننا هذا إذا رأت العائلة واحدة قد هداها الله إلى الحجاب وقفت ضدها وقالت: هذا غلط، هذا تطرف، هذا تشدد! إذاً والتي تنام على الشاطئ عريانة أليس ذلك تطرفاً؟ أليس ذلك تشدداً في الانفلات؟ أليس تشدداً في الانحراف؟ أليس ذلك تشدداً في التمسك بإبليس وأعوانه؟ لماذا التشدد يذكر عند المؤمنين والمؤمنات ولا يذكر عند الفاسقين والفاسقات، والفاجرين والفاجرات؟ لماذا عندما نلقى شاباً صالحاً يرتاد المسجد ويواظب على دروس العلم، نصفه بأوصاف سيئة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً) فالمعروف صار في زمننا منكراً، والمنكر صار في زمننا معروفاً؛ لأن الناس قد ساروا على روسهم لا على أرجلهم فرأوا الحقائق مقلوبة، فهم لا يعيشون على منهج الكتاب والسنة، بل يعيشون في هذا الوقت مشاش على روسهم، فرأوا حقائق الأمور مقلوبة، رأوا الحق باطلاً والباطل حقاً، ورأوا الاستقامة انحرافاً والانحراف استقامة. إذا وعظت مدير مكتب وقلت له: لماذا تريدون سكرتيرة حسنة المظهر؟ قال: أريد أن أجلب بها الزبائن، والكارثة أن البنات يتسابقن أيتهن تفوز بمنصب السكرتيرة أو مديرة المكتب، فإن قلت له: لا بد أن يكون الموظف رجلاً حتى على الأقل لو تأخر مجلس الإدارة في الليل لاجتماع إلى الساعة الواحدة، أفضل من أن تتأخر الفتاة أو الأم عن أبنائها، فالرجل أفضل لأنه يتحمل ويصبر على الأوامر القاسية، لكن المرأة ضعيفة وفي نفس الوقت تخلو أنت بها في المكتب ومعكما الشيطان، فتراه يتأفف من هذا الوعظ؛ لأنه لا يحب هذا الحديث؛ فهو يرى الحق باطلاً، ويرى الحقيقة عرجاء، ويرى الأمر الأعرج الكسيح المشوه مكتملاً، فهو يرى أن هذا هو الصواب، أما ما تراه أنت فهو خطأ؛ فهذا من الذين يسحبون على وجوههم يوم القيامة؛ لأنه لا يرى إلا أن يقلب الحقائق، والموظف الذي تحت يديه مال لوزير أو مدير، فتراه ينافق ويضر الناس؛ حتى لا يصل إليه إلا كل مدح وصفة طيبة، من الذين يحشرون على وجوههم يوم القيامة. يحكى أن الفضيل بن عياض رحمه الله وعظ هارون الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! إن ملكاً من ملوك الصين وكان رجلاً عادلاً أصيب بالصمم، فكان لا يسمع شكوى الشاكين، فأذن بمؤذن في البلاد: من كان ذو ظلامة يلبس يوم كذا ثوباً أحمر فكان الفضيل يقول: يا أمير المؤمنين! هذا رجل مشرك ولكنه يعدل بين الناس. وأمة العدل الكافرة تستمر، وأمة الظلم المسلمة تضمحل، ولزوال الأرض والسماوات بما فيهن أهون عند الله من إراقة دم مسلم بريء. فهؤلاء -أي الذين يريقون دماء المسلمين البرآء- من الذين سوف يكبون على وجوههم في النار يوم القيامة، وقبل أن يكب على وجهه في النار يمشي مكباً على وجهه من القبر إلى أرض المحشر والعياذ بالله نستعيذ بالله وإياكم من هؤلاء ومن هذه الأعمال، وحشرنا الله في زمرة الصالحين المؤمنين المتقين. قلنا: إن الناس سوف يحشرون على هيئات ثلاث: صنف راكب، وصنف ماشٍ، وصنف يمشي مكباً على وجهه؛ ونحن الآن في أو……
أسماء يوم القيامة
ليوم القيامة أسماء كثيرة، فإننا حين نقرأ القرآن أو نقرأ السنة المطهرة نجد مسميات كثيرة تربو على الستين اسماً ليوم القيامة، وكل اسم من أسماء يوم القيامة له معنى، وهذه الأسماء يجب أن نعلمها؛ لأنه اسم اليوم الذي سنجمع فيه جميعاً من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سنجتمع فيه نحن وأهلنا وأقرباؤنا وأصحاب الحقوق والرؤساء والزعماء والملوك، والأمراء والوزراء والمدراء والكبير والصغير، وكسرى وقيصر والأنبياء جميعاً وأقوامهم، والنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من الكفار والمشركين والمنافقين، فكل هؤلاء مجموعون في مكان واحد.. والمسألة ليست من السهولة بمكان، فحلقات الدار الآخرة هي حلقات تخص العقيدة أولاً وأخيراً، فإذا كنا لم نخرج من حلقات الدار الآخرة بزيادة إيمان ونور يدخل إلى قلب العبد رويداً رويداً؛ فإن هذه دروس لم نستفد منها؛ فاللهم اجعلها في ميزان حسناتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين!……
يوم الانشقاق
إنَّ أول اسم من أسماء يوم القيامة اسم يتعلق بسورة من ضمن خمس سور عجلت بالشيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان العربي لا يشيب إلا بعد الستين والسبعين سنة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغ اثنتين وأربعين سنة بدأ الشيب يدب في رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة رضي الله عنهم: عجباً! عجل عليك الشيب يا رسول الله! قال: (شيبتني هود وأخواتها) ما هي أخوات هود؟ أول واحده منها: الانشقاق، قال تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1]. فالله سبحانه وتعالى يأمر أن تنظر إلى السماء وأن ترجع البصر مرة ومرتين، قال تعالى: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [الملك:3] أي: هل ترى شقوقاً في السماء؟ الجواب: قال الله تعالى: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات:28] فالسماء ليس فيها تشقق ولا تصدع، لكن لكل سماء باب، والرسول صلى الله عليه وسلم دخل من أبواب السماء ليلة المعراج، والله سبحانه وتعالى يقول: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر:11] إذاً: السماء لها أبواب وليس باباً واحداً وهذه الأبواب نحن لا نراها، وعندما تنظر إلى السماء تجد أن الله رفعها بغير عمد نراها جل الخالق، وسكان السماوات كلهم من الملائكة، ولما خلق الله سبحانه وتعالى: السماوات والأرض أوحى إليهما بقوله: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فدخلا في طاعة الله عز وجل، فأوحى الله عز وجل في كل سماء أمرها، ودبر ملك السماوات والأرض، والله سبحانه يقول: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]. روي عند الإمام الترمذي عن ملك من الملائكة أنه طلب طلباً غريباً من رب العباد سبحانه! فقال: أريد عمراً مائة ألف سنة، ومائة ألف جناح وقوة مائة ألف ملك؛ لكي أطوف مسبحاً بحمدك حول العرش. فالملك مطبوع على الطاعة ومع ذلك يطلب الاستزادة، فقال الله: لك ما أردت، وأجيبت الدعوة، وانتهت المائة ألف سنة فوقف فوجد أنه لم ينه لوناً واحد من ألوان العرش، إذ إن العرش له ألوان لا يعلم جمالها إلا الله سبحانه، فوقف الملك يبكي واقفاً عند جنة عدن فطلعت حورية من الحور العين تقول متعجبة: هل هناك أحد يبكي عند الجنة؟! إن جاز له البكاء فقد يبكي فرحاً، قال الشاعر: هجم السرور عليَّ حتى أنه من فرط ما قد سرني أبكاني تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لم أكن أفكر أن هناك أحداً يبكي فرحاً، إلا لما رأيت أبا بكر يبكي فرحاً عندما بشر بصحبته للرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة. كذلك لما وقف الملك يبكي وتعجبت الحوراء منه وقالت: تبكي لماذا يا عبد الله؟! قال: طلبت من ربي كذا وكذا فأعطاني، لكنني لم أنهِ لوناً واحداً من ألوان العرش، فماذا أعمل؟ قالت له: يا هذا! بصنيعك الذي صنعت ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة. وكان أبو بكر أخوف الناس، وكان إذا وقف يصلي لا يسمع القراءة من بكائه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصعد على المنبر و أبو بكر قاعد على حافة المنبر لا ينزل عينيه من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هو الصحابي الوحيد الذي عنده مقدرة أن يطيل النظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد له يد عندنا إلا وكافأناه عليها إلا أبا بكر ، فإن له يداً عندنا لا يكافئه عليها إلا الله رب العالمين) . إذاً: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [الملك:3] يعني: هل ترى من انشقاق أو انبعاج؟ قال تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك:4] أي: انظر مرتين يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:4] . قال تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:1-2] أي: حق لها أن تسمع الإذن من الله بأن تنشق؛ لأن الله يقول لها: انشقي يا سماء! فتتشقق وتقع تمهيداً لسماء أخرى ليست كهذه السماء. قال تعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:3-4] أي: يقول الله: يا أرض! أخرجي ما فيكِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أترون ما إذنها؟) قالوا: لا يا رسول الله! قال: (تقول لي الأرض يوم القيامة: يا محمد! لقد أذن الله لي أن أمد، وأن أخرج ما في بطني، وأن أشهد بكل شيء عمله ابن آدم على ظهري، فاحذروا من الأرض فإنها أمكم) ، كما قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ [طه:55] أي: خلقنا نحن منها فهي أم لنا، وستحضننا بعد هذا حضانة أخرى، فالأم تحضن ابنها في لحظة الحنان والشفقة والرضاعة، والقبر يحضن المؤمن كالأم حين تضم ابنها لصدرها عند الرضاعة بحنان، ومن الناس - والعياذ بالله رب العالمين - من يضيق القبر عليه حتى تختلف أضلاعه، فالذين يظلمون الناس ويفترون عليهم ويقتلونهم، والذين يحبسون الناس ويؤذونهم ويطردونهم من أعمالهم ويطاردونهم في معايشهم، ويتجسسون عليهم؛ أين يذهبون من رب العالمين؟ إذاً: يا عبد الله: تب إلى الله، فإن الكرسي سوف يزول، والمنصب سوف يزول، قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] أي: لا باقي إلا وجه الله، وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. فقوله تعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:3-5] أي: حق لها أن تسمع الإذن من الله عز وجل بأن تخرج ما فيها. وسمي هذا اليوم بيوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، وسميت بالساعة؛ لأن كل الناس يسعون إليها وهي تسعى إليهم، يعني: إن كنت لا تحب أن تسعى إليها فهي التي ستسعى إليك، فإما أن تلقى حتفك بيدك، وإما أن يأتيك الموت، فالساعة لا ريب فيها، قال تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7]. كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقال: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ [طه:13] أي: صار رسولاً، قال: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه:13-14] فأرسله بالوحدانية أولاً، قال: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] فالصلاة تنوب عن كل العبادات. وقال: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه:15] قال أهل التفسير: أكاد أخفيها فلا أقول إنها آتية، أراد الله شدة إخفائها، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]. فقوله: (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) أي: تأتي فجأة، فالأمر بيد من بيده الأمر كله، إذ يقول للشيء: كن فيكون.
يوم التكوير
هناك سورة في القرآن اسمها سورة التكوير بالإضافة إلى سورة الانشقاق وسورة هود وهي من السور التي شيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنت عندما تكتب في ورقة وتكتشف أنك أخطأت في الكتابة فإنك تكورها هكذا وترميها، وهذا مثل قوله سبحانه: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] وفي قراءة: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكتَاب) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]. ثم يبشرنا الله سبحانه فيقول: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ..) أي: يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]. فعندما يورثهم الله سبحانه يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ [الزمر:74] إذاً: الجنة أرض وهؤلاء هم الوارثون، قال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ [المؤمنون:10-11] اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم. ودعا سيدنا إبراهيم به فقال: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:85-86] دعا ربه أن يكون من الورثة الذين يرثون الفردوس؛ لأن في الجنة باباً يدخل منه المجاهدون المقاتلون في سبيل الله والشهداء، وباباً يدخل منه الصائمون، وباباً يدخل منه العلماء العاملون بعلمهم، وباباً يدخل منه الحاكم العادل، كذلك تدخل الجنة فتجد مساكن، قال تعالى: وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [التوبة:24] في جنات عدن. وتجد الذين وصفهم الله بعباد الرحمن في لوحة كبيرة مكتوب عليها بحروف من نور يسكنون الجنة، وصفاتهم موجودة في القرآن الكريم. إذاً: عندما تستغني عن الورقة تطويها وتكورها ثم ترميها، وهكذا الأرض فإنها تكور وينتهي الأمر، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48] في هذه الآية حذف والتقدير: (والسماوات غير السماوات) فهذا هو يوم التكوير، وهو اسم من أسماء يوم القيامة.
يوم الانكدار
قال تعالى: وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:2]. إن الماء يكون صافياً عذباً ورائقاً وعندما تشوبه شوائب يصبح مكدراً. والكدر أصله من الكدرة والحزن، يقال: كدر الضابط، أي: أدخل الكآبة على نفسه، كذلك النجوم، فالنجوم أصلاً مضيئة، فإذا اضمحل نورها أصبحت منكدرة، وهذا يوم الانكدار فالشمس تركت المدار والكواكب تناثرت من السماء؛ لأن السماء تشققت، والمدارات اختلت، وكل شيء ضاع، ويكون النور كما قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:69] ففي النهار أنت تحيل الضوء إلى الشمس، وفي الليل وأنت في الحقل أو في الصحراء تحيل الضوء إلى القمر، وفي يوم القيامة تذهب كل هذه الوسائط، قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:69] فالذي يضيء الكون هو رب الكون، وهكذا ترجع الأمور إلى حقائقها، فذا يوم الانكدار.
يوم التسيير
قال تعالى: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3] هذه الجبال تسير! فتذهب إلى ما شاء الله، وهي عبارة عن أوتاد للكرة الأرضية، ومعلوم أن الكرة الأرضية التي نعيش عليها تدور حول نفسها وحول الشمس، تدور حول الشمس فتتكون الفصول الأربعة، وتدور حول نفسها ليتكون الليل والنهار. والفصول الأربعة: الخريف والشتاء والصيف والربيع، أما الليل والنهار فإنه إذا غربت الشمس في القاهرة لم تغرب بعد في الإسكندرية، وإذا غربت في الإسكندرية لم تغرب في السلوم، وإذا غربت في السلوم لم تغرب في طبرق، وإذا غربت في طبرق لم تغرب في طرابلس، وإذا غربت في طرابلس لم تغرب في وهران، وإذا غربت في وهران لم تغرب في الرباط، وإذا غربت في الرباط لم تغرب في أمريكا، وكل ذلك حتى يبقى في الأرض من يوحد الله في كل لحظة. إذاً: لا يوجد وقت ينتهي فيه الصلاة، وبذلك يستمر توحيد الله في الكون، قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40] هنا مشرق وهنا مغرب، وفي كل حين تسبيح وتوحيد لله عز وجل، كذلك الطائفون حول الكعبة عندما يقفون للصلاة يبعث الله بعثاً من الملائكة يطوفون حتى لا ينقطع الطواف. اشتكت الكعبة قلة زوارها زمناً من الأزمنة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا كعبتي! وعزتي وجلالي لأخلقن أقواماً يحنون إليك كما يحن الطائر إلى وكره.
يوم التعطيل
قال تعالى: وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ [التكوير:4] العشار: اسم يطلق على البهائم التي تحمل في بطونها أجنتها، فالعشار تعطل وتضع حملها كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الحج:1-2] ، فإن قال قائل: لماذا لم يقل: الأم مع أن الأم تسمى مرضعة؟ الجواب: لأن أكثر الحنان والعطف تظهره الأم ساعة الرضاعة، حتى إن الولد إذا مات أو أخذ إلى المستشفى بعيداً عن أمه حنَّ ثدي الأم، فكأن هناك شيئاً روحياً يربط ما بين هذا اللبن وبين الثدي وبين الابن، فينزل اللبن لوحده، فهذه أكبر اللحظات في الحنان والعطف. أما يوم القيامة إذا قامت والولد يرضع من ثدي أمه، ترمي الأم طفلها. قال تعالى: وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:2] وأكبر حامل في التاريخ هي الأرض، فتخرج كل ما فيها من كنوز، وما الاستعمار الأمريكي والأوروبي على بلادنا إلا لأنها أرض حاملة للخيرات، وهذا من فضل الله عز وجل، فلتتقوا الله أهل الخليج وأهل الحجاز، فإن مخزون السعودية والخليج والعراق وإيران من البترول لمائة وخمسين سنة، أما مخزون أمريكا وروسيا لا يكفيها إلا لثلاث عشرة سنة مقبلة فقط، يعني: في عام ألفين يكون المخزون عندهم قد نفذ، ومن أجل ذلك يحاولون استعمارنا لكن نحن بإذن الله سننتصر عليهم.
يوم المحشر
قال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5] فإن قيل: لم تحشر الوحوش وهي لا تحاسب؟ فالجواب: قد يكون من البشر من ظلم وحشاً من الوحوش، فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. إذاً سيحشر الله الوحوش لأنه من المحتمل أن يكون الإنسان قد ظلم وحشاً، أو ضرب حيواناً ضرباً مبرحاً، وقد كانت الحيوانات في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تشكو للرسول صلى الله عليه وسلم من ظلم أصحابها، فكان ينهرهم ويقول: أحسن إلى بعيرك، أحسن إلى حمارك، أحسن إلى فرسك وهكذا وللأسف الشديد أنشئت في أوروبا جمعيات للرفق بالحيوان، ووددت لو أن في بلدنا جمعيات للرفق بالإنسان المسلم.
يوم التسجير
قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6] أي: اشتعلت فالبحر يشتعل، وقد ثبت في الكيمياء أنَّه إذا وضع هيدروجين مع أوكسجين بنسبة اثنين إلى واحد حصل انفجار، فالماء الذي نشربه، وماء النهر والبحر بنفس التركيب، فسبحان الذي أعطى الماء هذه الخاصية وسلبها خاصية الانفجار ليستفيد منها ابن آدم في الدنيا؛ فإذا أراد الله أن تقوم القيامة عاد الماء إلى خاصيته فيكون نسبة الهيدروجين إلى الأوكسجين بنسبة واحد إلى اثنين فيحصل اشتعال في البحار وتحترق، يعني: البحر الأبيض والبحر الأحمر والمحيط الأطلنطي والمحيط الهادي والبحر الكاريبي، والقطب الشمالي والقطب الجنوبي والبحر الأسود والبحر الميت وبحيرة طبرية، وبحيرات المرة وبحيرة التمساح والخليج العربي ستشتعل كلها ناراً والعياذ بالله رب العالمين. إذاً: سيكون الواقع منظره مخيف: الجبال سارت، والسماء تشققت، والشمس اقتربت من الروس، والنجوم انطمس ضوؤها، والعشار عطلت، والوحوش حشرت، وسيحاسب الإنسان على كل مخلوق ظلمه.
يوم التزويج
يوم التزويج اسم من أسماء يوم القيامة قال تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:7] فأسماء يوم القيامة من الأهمية بمكان، ونحن نتحدث عن حلقات الدار الآخرة لكي تكمل الفائدة، ولكي نخرج من هذه الدروس بما يعود علينا بالخير في الدنيا والآخرة، فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين! إذاً: الوحوش سوف تحشر معنا يوم القيامة منكسة روسها خوفاً من العلي القدير رغم أنها ليست ذوات جناية، أو ذوات تكليف معين قد قصرت فيه، ولكن الله سوف يغضب يوم القيامة غضباً لم يغضب مثله من قبل، ولن يغضب مثله بعد، فاللهم ارض عنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين!
يوم السؤال
ويسمى يوم القيامة بيوم السؤال، قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9]. ولا بد أن نتكلم عن مسألة الإجهاض، كثير من الناس يظن أنه في أربعة أشهر من حمل المرأة يجوز أن تنزل المرأة ما في بطنها، وهذا افتراء على الله عز وجل، إذ إن الجنين صارت تدب فيه الحياة منذ اليوم الأول، يعني: باجتماع الحيوان المنوي مع البويضة صار هناك ما يسمى بالزيجوت وهي عبارة عن البنية الأساسية والخلية الأولى لتكون الجنين؛ لأن الولد بعد تسعة أشهر أتى من اللحظة الأولى من اجتماع البويضة في المرأة مع الحيوان المنوي في الرجل. إذاً: من أجهضت ما في بطنها لسبب قوي جداً، لا قبل أن يخبرها طبيب مسلم مؤمن فاهم حاذق وقال: إن الحمل إذا اكتمل فإنه ستموت المرأة فهنا جاز الإجهاض، ولي أيضاً تحفظ على مسألة التشوه، فقد عرفوا في هذا الوقت بالعلم الحديث أن الولد قد يخرج مشوهاً نتيجة للتلوث الذي نعيش فيه، ونتيجة تدخين الأمهات، أو جلوس الأمهات الحوامل في مكاتب فيها مدخنون، فإن هذا كله يصيب الأولاد بالتشوهات المعينة في بطون أمهاتهم، فلو أننا فرضنا جدلاً أن إنساناً منا رزق بابن مشلول كفيف لا يتكلم ولا يسمع، أي: كل حواسه معطلة وأصبح عمره خمس سنين وذهب به إلى الطبيب، فقال الطبيب: هذه الحالة لا نستطيع أن نرجعها، والسمع هذا لا نستطيع أن نرجعه، والشلل هذا لا نستطيع أن نعمل فيه شيئاً، فهل تستطيع الأم أن تقول: إذاً: يا طبيب اقتله؟! فمسألة قول الطبيب: إن هذا الولد سيخرج مشوهاً، هذا قدر الله عز وجل، فإن الله يبتليك بولد كفيف أو مشلول، أو بولد تفكيره ضعيف، أو يبتليك بولد لا يتكلم، فهذا اختبار من الله لك ولا اعتراض على قدر الله، فإذا تجرأت وقلت: الطبيب قال هكذا! فنحن سنجهضه، فإني أقول لك: لا، اذهب واستفت عالماً آخر؛ لأن هذا رأيي ورأي الإخوة العلماء في رابطة العالم الإسلامي، ونحن مجمعون على هذا الرأي بفضل الله عز وجل ونفتي به في أي مكان في العالم. فلا يجوز الإجهاض إلا إذا كان هناك هلاك محقق للأم، أما غير ذلك فلا يجوز، فقد تكون المرأة لديها أربعة أولاد، فأمرها زوجها أن تجهض الخامس فأجهضته، فتراهما يدعيان الغباء ويقولان: عندنا أربعة أولاد، وفي بيتنا غرفتان وصالة فأين نضع الخامس؟! أليس الله يقول: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47] فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيوسع عليك، فهو الذي يعلم السر وأخفى. رب العباد إذا وهب لا تسألنّ عن السبب ولا تقل: أنا موظف ومرتبي ثمانون جنيهاً وعندي ثلاثة أولاد، فلو رزقت الرابع عجزت عن كفايتهم فيا عجباً! هل أنت الذي ترزق ابنك؟ لا، هذا كفر وشرك بالله عز وجل، قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31]. إذاً: قتل الجنين يلزم قاتله الدية؛ لأنه قتل مسلماً بغير حق، فإن كان المقتول ولداً فعلى الأب والأم مائة ألف جنيه، فإن كان المقتول بنتاً فعلى الأب والأم خمسين ألف جنيه؛ لأن دية المسلم مائة ناقة، فإن لم يكن لدى الأبوين مقدرة على دفع الدية، فيصوم الأب وتصوم الأم شهرين متتابعين هذا هو الحل. فإني أقول لأب الطفل: أنت أخذت الأمانة وأنت وذاك، إن كنت أجهضت الجنين فإما أن تصوم ستين يوماً متتابعة، أو تخرج الكفارة؛ لأنك قتلت، قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] ستحضرك الملائكة وتسألك: لماذا قتلت ابنك؟ قال بعض أهل العلم: لو أسقطت المرأة ما في بطنها! فإنه إجهاض طبيعي، وحجتهم أنها تنط وتجري لكي يسقط الذي في بطنها، وهذا خطأ مخالف للشريعة، فترى المرأة تسقط جنينها، فيقول أبوه: لا بد ن أن أسميه اسماً طيباً حتى لا يتعلق برقبتي يوم القيامة ولا يدخلني الجنة. نقول: إن الحقوق في الإسلام كثيرة، فانظر كم من الأنفس ستتعلق برقابنا يوم القيامة.
يوم النشور
من أسماء يوم القيامة يوم النشور، قال تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير:10] أي: ينشر المختبئ فيها، فالإنسان سيأخذ كتابه الذي سجل فيه كل أعماله ويأخذ كذلك الشهادة ودرجاته، فأنت عندما تمتحن الطلاب في المدرسة أو في الكلية فإن الطالب يجيب في أوراق الإجابة، فيمتحن بعشر مواد في عشر كراسات، فيقوم المدرسون بتصحيح الإجابات ثم كتابة الدرجة النهائية للمادة الواحدة، فيقوم الكنترول بأخذ الدرجات ورصدها في كشف، ثم يرصد الكشف في الشهادة التي بها يعرف الطالب هل هو ناجح أو راسب. كذلك يوم القيامة تنشر فيه الصحف، وسينشر من الصحف شيئان: مجمل الحسنات ومجمل السيئات، فتوضع الحسنات في كفة من الميزان والسيئات في كفة فإذا ثقل الميزان قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [القارعة:6-7]، وإذا خف الميزان قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:8-9] إذاً: سيكون معك شيئان يوم القيامة: الشهادة الذي فيها المجموع الكلي، ثم يناديك الله على روس الأشهاد وينشر لك أعمالك كلها فترى كل عمل عملته، فيُخرَجُ للمسلم من تحت العرش تسعةٌ وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فيطلع عليه المسلم كله بالتفصيل ولا تظلم نفس شيئاً، قال تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17].
يوم التسعير
قال تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير:12] سعرت يعني: اشتعلت فيها النيران، سأل الصحابة رضوان الله عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن شرر جهنم فقال: (أوما قرأتم قول الله عز وجل: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ [المرسلات:32-33] ؟) فشرر جهنم كالمدائن والحصون ولو أن أهل جهنم رأوا نيراناً من نيران الدنيا لا ستراحوا فيها وناموا، وفي يوم القيامة يقول الله سبحانه: يا آدم! ابعث بعث النار، فيقوم آدم فيبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، يأخذهم آدم إلى النار، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك خافوا وارتجفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تخافوا، لا تخافوا، أنتم آخر الأمم وأولها دخولاً إلى الجنة، ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض). قال تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير:12] ويقول سبحانه: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23] جيء: فعل ماض مبني للمجهول، أي: يجيء بها الملائكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجرها ملائكة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك). وإذا الجحيم سعرت جاءت ولها زفرات ثلاث تزفر على أهل المحشر، تهجم عليهم ثلاثة أنواع من الهجوم المتتابع، كالأسد الذي يستعد للوثوب على فريسته، وهكذا منظر جهنم تستعد للوثوب على أرض المحشر؛ فأول زفرة قال: (يهرب أهل المحشر من أمامها سراعاً فينكفئون بعضهم على بعض وعلى وجوههم). ونضرب مثلاً بنار في قصر يبلغ أربعة عشر طابقاً، فترى من يسكنه يقفز وهو يعلم أنه ميت، لكن القفز عنده أسهل من أن تلحقه النار، كذلك إذا زفرت جهنم الزفرة الأولى هرب أهل المحشر كلهم فعادت، ثم زفرت الزفرة الثانية فما من نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا آخذ بقوائم العرش، قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [الجاثية:28] من جثا يجثو على ركبتيه، فترى جميع أهل المحشر جاثين من هول جهنم، ويقال: إن الشهداء والعلماء المخلصين سيرفعون رؤوسهم فيطمئنون الناس أنها قد عادت، فتأتي الزفرة الثالثة وهي أكبر من سابقتيها ثم تعود فتنصب في هذه اللحظة الموازين. ووقود النار كما قال سبحانه: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24] ، وقال الله سبحانه: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]. اللهم الطف بنا يا رب العالمين! وأبعدنا عن نار جهنم، وأبعدنا عنها عملاً في الدنيا وجزاءً في الآخرة، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم زحزحنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم أن نلقاك يا رب العالمين! آمين يا رب العالمين! الحكيم الترمذي رحمه يجمع هذه الأسماء كلها في مقولة شهيرة، يقول فيها: مثل لنفسك أيها المغرور! يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تفور وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك: أين نسير؟ وإذا تقاة المسلمين تزوجت من حور عين زانهن شعور وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت تبدي لنا يوم القصاص أمور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للمؤمنين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها ورأيت أفلاك السماء تدور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاد صبور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور
القارعة والزلزلة
من أسماء يوم القيامة القارعة، سميت بذلك لأنها تقرع أسماع الناس، يقال: سمعنا قرع الطبول، قرع الطبل أي: دق عليه بشدة القارعة. كذلك تسمى بالزلزلة، قال تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] ولا يعني الزلازل التي في الدنيا، وإنما زلزالها الحقيقي يوم القيامة، قال تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:1-8]. يروى أن صحابياً تعلم سورة الزلزلة من أبي ذر فقال له أبو ذر : يكفي هذه.
بعض أسماء يوم القيامة
من أسماء يوم القيامة: يوم البعث، يوم النشور، يوم الخروج، يوم الحشر، يوم العرض. يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً؟ فيقول: نعم يا رب! يقول: وتركتك ترأس وترتع؟ قال: نعم يا رب! فيقول: فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك. ومن أسماء يقوم القيامة: يوم الفرق: الخوف، يوم الجمع لا ريب فيه، يوم الفزع والعياذ بالله رب العالمين، يوم التغابن، يوم الدعاء أو النداء، فالنداء كثير، الرجل ينادي أمه، والأب ينادي ابنه، وينادي أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، وينادي أهل الأعراف أهل الجنة وأهل النار، والملائكة تنادي، وأصحاب المظالم ينادون، وكل ينادي فنسأل الله أن لا يخزينا يوم النداء. ومن أسماء يوم القيامة: يوم الواقعة، يوم الخافضة الرافعة: يرفع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويرفع الذين يشفع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع السالكين في طريق الله، ويرفع المتقين، ويرفع الفقير الصابر، ويرفع الغني الشاكر، ويخفض المغرور، ويخفض المتكبر، ويخفض المغتاب، ويخفض النمام، ويخفض الفاسق، ويخفض الذين يدخلون الحزن على بيوت المسلمين. ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، يوم السؤال، يوم الشهادة: شهادة الناس علينا، وشهادة الجوارح، وشهادة الله رب العالمين، وشهادة رسولنا علينا صلى الله عليه وسلم. ومنها أيضاً: يوم التبديل، يوم التلاق: سيلقى بعضنا بعضاً ويقابل بعضنا بعضاً ويحاسبنا الله سبحانه. ومنها أيضاً: يوم الآزفة، يوم المآب، يوم المصير، يوم القضاء، يوم الوزن، يوم عقيم، يوم الجدال، يوم الطامَّة، يوم الصاخَّة، يوم الوعيد، يوم الدين، يوم الندامة، يوم عبوس قمطرير، يوم تبلى السرائر، يوم التقلب، يوم الفتنة، يوم الغاشية، يوم لا بيع فيه ولا خلال، يوم الشفاعة، يوم العرض، يوم الفرار. هذه الأسماء في كتاب سبيل الفلاح لـابن نجاح القتي وكتب الإمام الغزالي والإمام القاضي أبي بكر بن العربي رحمهم الله جميعاً. اللهم خفف عنا الحساب، وثقل موازيننا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

منقول10
 


 

 

 

من مواضيع :

التوقيع:
صرت لا أملك إلا أن أستنطق بقاياك لعلها تعيد إليّ بعض روحي التي هاجرت معك ..




الرائعة ليل الحوريه أحملك دوما في حنايا القلب زهرة غاردينيا
ازدهار الانصاري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 52 ( الأعضاء 0 والزوار 52)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمار الشيخ-2-الجار ولو جار جميل السلحوت قســـــم الأدب الســــــاخر 6 10-19-2010 09:31 AM
سلسلة حمار الشيخ/أ. جميل السلحوت جميل السلحوت قســـــم الأدب الســــــاخر 31 06-27-2010 09:40 AM
نساء يقتحمن سياقة الأجرة بتركيا أسماء عمر قسم التقارير والأخبار 0 01-01-2010 05:11 PM
الآخرة حسن الشريف مـنـتـدى الشعر الكلاسيكي (الموزون والمقفى) 8 05-12-2009 11:56 PM
كلما دارت الدار احمد ابوطير مـنتـــدى قصيـــدة النثـــر 2 02-20-2009 12:09 PM


الساعة الآن 12:34 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
TRAN. By GT4HOST.com